آخر الأخبار

إبستين وراسبوتين: حين يحكم الظل يسقط العرش

شارك

لا تسقط الإمبراطوريات حين تتعرض لعدوان خارجي فقط، ولكن حين يتمدد ظل العرش فيغطيه، وحين يسكن النفوذ في الممرات المؤدية إلى قاعات الحكم، وليس في القاعات. حينها تصبح "الدولة" مجرد واجهة، وتلك هي العلامة الأولى والأهم لغروب شمس الإمبراطورية، إذ ينبع القرار من الظلمة ليغطي النور، وتحكم البلاد شبكات، بدلا من "المؤسسات".

في هذه اللحظة، لا يجد البسطاء من يحميهم، ولا يتورعون بضعفهم وحاجاتهم الإنسانية عن الاستسلام لـ"إبستين" و"راسبوتين". ورغم مرور قرن من الزمان على غياب الأخير، فإن ثمة حاجة موضوعية لوجوده إلى جوار قرينه الحديث "جيفري إبستين".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 محمد أفاية: نهضتنا مُعلقة طالما لم نستثمر في بناء الإنسان
* list 2 of 2 "لا تقف مكتوف الأيدي".. كتاب يوثق تاريخ المقاومة اليهودية ضد الصهيونية end of list

وتلخص تلك الحاجة عنوان وظيفة تتكرر كلما تآكلت المؤسسات أو انهارت القيم. فثمة رجل لا يحكم رسميا، لكنه يتحول إلى الوجه الآخر للحاكم، إلى مركز قرار غير معلن، أو إلى ظل يلتف حول العرش حتى يصبح العرش نفسه.

مشهدان ورجلان

في مطلع القرن العشرين كانت روسيا القيصرية تتآكل ببطء وتئن تحت وقع الحرب، والفقر، والغضب الاجتماعي، وعرش يفقد ثقته في نفسه. سمحت تلك الهشاشة بدخول رجل من الهامش عبر نقطة ضعف إمبراطورية.

تسجل يوميات القيصر نيقولا الثاني اللقاء الأول براسبوتين بعبارة قصيرة لكنها كاشفة: "تعرفنا إلى رجل من رجال الله، غريغوري". هكذا يبدأ ظل صغير في الاقتراب من مركز القرار، لأن الدولة نفسها فقدت صلابتها.

وبعد قرن تقريبا، في عالم مختلف ظاهريا، يتكرر المشهد بلغة أخرى. وجهت وزارة العدل الأمريكية الاتهام لإبستين عام 2019، وتقول بوضوح إنه "اعتدى جنسيا على عشرات الفتيات القاصرات في منازله في نيويورك وفلوريدا". الجملة قانونية جافة، لكنها تكشف معنى سياسيا مخيفا إذ ينبغي أن يكون التعليق عليها: أين كنتم حتى وصل الرقم إلى "عشرات"؟

لم يسقط راسبوتين الإمبراطورية الروسية بيده، لكنه كشف هشاشتها. لم يصنفه خصوم القيصرية كشخصية غريبة، بل علامة على انحلال البلاط. كتب لينين، زعيم الثوار الشيوعيين، أن المرحلة كشفت "عفن زمرة القيصر، التي هيمن عليها ذلك الوحش، راسبوتين". ليس المهم هنا لغة الخصومة، بل المعنى، وهو ظهور رجل بلا منصب داخل مركز الحكم كان دليلا على أن المؤسسة فقدت قدرتها على إدارة نفسها.

مصدر الصورة جزيرة إبستين التي كانت مسرحا لعدد كبير من الجرائم (رويترز)

وفي حالة إبستين، لا تكمن الفضيحة في رجل منحرف فقط، بل في منظومة تحمي الظل. بيان الاتهام نفسه يشير إلى أن الجريمة لم تكن فعلا منفردا، بل شبكة تعيد إنتاج نفسها، إذ يقول إن إبستين "دفع بعض الضحايا لتجنيد فتيات أخريات". هنا لا نتحدث عن سقوط رجل، بل عن اقتصاد استغلال كامل، وعن عالم يحول الضعفاء إلى أدوات لاستمرار الضعف.

إعلان

وسطاء خارج القانون

المشهدان متباعدان في الزمن، لكنهما يتبادلان المفهوم نفسه، فحين يضعف العرش يبحث عن وسطاء خارج القانون، وحين تنهار الأخلاق يصبح المال منصبا أعلى من أي منصب. في الحالتين، السلطة تخرج من المؤسسات إلى الشبكات.

الصحفية الاستقصائية جولي ك. براون، التي كشفت ملف إبستين، تلخص هذا المعنى في مجلة نيويوركر حين تقول إننا نعيش "ثقافة فيها كثير من المشكلات المتعلقة بعدم تصديق الناس، وهذا يثني الضحايا عن التقدّم". ليست المشكلة في الجريمة وحدها، بل في المناخ الذي يجعل الضحايا يتراجعون، وفي المجتمع الذي يتردد في الإصغاء.

وتضيف براون جملة أشد قسوة، حين تقول إن الضحايا "خُذلن من الأشخاص والحكومة الذين كان يفترض أن يحموهن ويحققوا لهن العدالة". هنا يكتمل تعريف الإمبراطورية المتآكلة، إذ لا يجد البسطاء من يحميهم، والقانون يصبح شاهدا أعمى.

في روسيا القيصرية كان البلاط يبحث عن خلاص روحي لأن السياسة فشلت. وفي الغرب الحديث كانت النخبة تحيط إبستين بدائرة حماية لأن المال أقوى من القيم.

تلخص براون منطق الحصانة الطبقية بعبارة بسيطة لكنها دامغة: "هؤلاء الناس يعيشون في عالم مختلف". عالم لا يلامسه القانون بالطريقة نفسها، ولا تصل إليه العدالة في الوقت نفسه.

لكن مركز القصة ليس الرجلين، بل الضحايا الذين يراد لهم أن يبقوا هامشا. الفوارق الاقتصادية العميقة تجعل الابتزاز أسهل، وتجعل الحاجة بوابة للاستعباد الحديث. حين يتسع الفرق بين القمة والقاع، يصبح الجسد أحيانا عملة، وتصبح العدالة امتيازا لا حقا.

وهنا تصبح منظومة تحمي نفسها وتعيد إنتاج نفسها. تقول براون في حوار إذاعي إن "جزءا من الآلية في نظامنا التي أخفت كثيرا مما جرى هو نظام المحاكم". حتى المؤسسة التي يفترض أن تكشف الحقيقة يمكن أن تتحول إلى أداة تأجيل، إلى مساحة لإخفاء ما لا يريد الأقوياء ظهوره.

رجال الظل

لا يمكن تكذيب فكرة "رجال الظل" في أصدق وصف لعلاقة السلطة حين تنفصل عن الشرعية. الفيلسوفة والصحفية حنّة أرندت تقدم تعريفا صارما حين تقول: "السلطة هي قدرة البشر على الفعل معا".

لا يحتاج رجل الظل منصبا إذا امتلك شبكة تتصرف معه وباسمه. وتضيف أرندت: "السلطة لا تحتاج تبريرا، لكنها تحتاج شرعية". وحين تفقد الأنظمة شرعيتها، تبحث عن بدائلها في الظل، وهي المال، والأسطورة، والعلاقات.

مصدر الصورة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (مواقع التواصل الاجتماعي)

أما الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، فيضع الجملة التي تلخص كيف تعمل القوة خارج المنصب، قائلا: "السلطة في كل مكان، لأنها تأتي من كل مكان". أي أنها تتشكل في العلاقات، وفي الصمت، وفي التواطؤ الاجتماعي، وليس في الدولة الرسمية.

راسبوتين كان علامة انهيار سياسي لإمبراطورية عاجزة، وإبستين علامة انهيار أخلاقي لمنظومة حديثة فقدت قيمها وبقيت فيها القوة مجرد مال وعلاقات. الدرس واحد، فالسلطة لا تنهار فقط حين يهاجم العرش من الخارج، بل حين يصبح الظل أقرب إليه من الضوء.

ويبقى السؤال الحقيقي ليس عن الرجلين، بل عن الأنظمة التي تنتجهما. لماذا يحتاج الحُكم إلى ظله؟ كيف يصبح غير الرسمي أكثر تأثيرا من الرسمي؟ كيف تحكم الشبكات حين تفشل المؤسسات؟ ثم السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه عن عدد الضحايا المطلوبات والمطلوبين لينهار الصمت؟ وكم اسما يجب أن يُنسى كي تبقى الواجهة نظيفة؟

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار