آخر الأخبار

الكِتاب السوري بين زمنين.. كيف تغيّر المشهد الثقافي وواقع النشر؟

شارك

منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى سقوط النظام في سورية (8 ديسمبر/كانون الأول 2024م)، ظلّ الكتاب في سورية يعيش بين مطرقة الرقابة وسندان الخوف. ففي عهد الأسدين الأب والابن (1970-2024م)، تحوّل النشر إلى مجال محكوم بالوصاية السياسية، وخضعت دور النشر لرقابة صارمة، وأُخضِع المؤلِّفون لمقص الرقيب والأجهزة الأمنية. وانعكس ذلك على المشهد الثقافي العام في البلاد.

تجوّلت الجزيرة نت في شوارع دمشق الثقافية، للوقوف على أوضاع الكتاب في سورية. والتقت أصحاب مكتبات وباعة كتب على الرصيف، ونُقّاد وأصحاب دور نشر.

ما بعد السقوط.. الولادة الجديدة

طرأت بعض التحولات على واقع الكتاب في سورية، خصوصا في المرحلة التي تلت سقوط النظام، وما تبعه من تغيرات ثقافية واجتماعية. وعن وضع الكتاب قبل سقوط النظام، يقول محمد سالم النوري (71 عاما)، صاحب مكتبة النوري وهي واحدة من أقدم وأشهر المكتبات الدمشقية "كان الواقع الثقافي يخضع لرقابة صارمة من قبل مؤسسات الدولة".

ويضيف "كانت الرقابة تمارس سلطتها على كل ما يُطبع، وحتى الكتب المستوردة كانت تمر من خلال الأجهزة الأمنية"، ويبيّن محمد النوري "كنا نضطر إلى إخفاء بعض العناوين خلف الرفوف، وتحت الأدراج، وفي المستودعات"، ويقول "كان هناك خوف دائم من المصادرة أو الإغلاق". ويشير إلى أنّ "المساحة التي كان يتحرك من خلالها الناشر والموزع والقارئ ضيقة جدا".

أمّا بعد سقوط النظام فيؤكد النوري في حديثه –للجزيرة نت- "تغيّر المشهد جذريا، أُزيلت القيود الرقابية بشكل لافت، وبدأت الكتب المحظورة سابقا تعود إلى الواجهة"، ويضيف "أصبح بإمكاننا عرض كتب عن الحركات السياسية، عن الإسلاميين، عن الثورة، وأدب السجون، دون خوف من الملاحقة الأمنية".

وحول أكثر الكتب طلبا بعد سقوط النظام، يذكر سالم النوري في حديثه "كتب أدب السجون، مثل كتاب المعارض ياسين الحاج صالح، وكتاب في ظلال القرآن، لسيد قطب، والغزالي، ومذكرات فاروق الشرع، وروايات غبريال غارسيا ماركيز".

إعلان

ويعزو النوري ضعف تسويق الكتاب داخليا إلى عدة عوامل منها "التكلفة المرتفعة للطباعة، والوضع الاقتصادي العام بالبلد، وضعف القوة الشرائية، وقرصنة الكتب، وتوقف رواتب العاملين بالدولة".

مكتبات الرصيف

تفترش الأرصفة عشرات الكتب وسط مدينة دمشق، وأشهرها تحت جسر الثورة، كتب منوّعة دينية وفكرية، روايات وشعر، شكّلت تلك الحالة ظاهرة مقلقة لأجهزة النظام السابق الرقابية، وأدت في النهاية إلى قيام الأجهزة الأمنية بمصادرة جميع محتويات مكتبات الرصيف.

يقول عبد الله خلف الحمدان، بائع كتب على الرصيف منذ أكثر من 30 عاما "قامت الأجهزة الأمنية بمصادرة جميع محتويات مكتبات الرصيف بدمشق قبل سقوط النظام السابق بأشهر، بواسطة شاحنات مخصصة لنقل نفايات المدينة.. بحجة أنّ الشارع ليس بمكتبة".

بين ركام مدن لم تستفق بعد من سنوات الحرب، يقف الحمدان شاهدا على تبدلات الوعي وأحوال البلاد. وعن أكثر الكتب التي يطلبها القرّاء اليوم يقول الخلف -للجزيرة نت- "القراء متعطشون لفهم ما جرى في المرحلة السابقة، وأكثر الكتب طلبا، هي كتب التاريخ السياسي لسورية، وكتب عن الحرية وبعض الروايات الصادرة في الخارج والتي تحاكي الأوضاع في الداخل السوري".

مصدر الصورة عبد الله خلف الحمدان بائع كتب على الرصيف منذ أكثر من 30 عاما (الجزيرة)

تخريب ممنهج

ومن جهته، يقول وحيد تاجا، مدير المكتب الإعلامي بدار الفكر بدمشق "أهم شيء بعد السقوط، لم يعد هناك كتب ممنوعة، اليوم أيُّ كتاب تطلبه كان ممنوعا بالفترة السابقة، لسبب أو لآخر، الآن هو موجود". ويبيّن بِأنّ هناك قائمة من الكتب كانت ممنوعة مثل "كتب الشيخ يوسف القرضاوي، وبرهان غليون ولؤي الصافي"، ويشير تاجا إلى أننا في دار الفكر "اضطررنا إلى إزالتها من العرض ووضعها في القبو".

وعن دور أجهزة النظام في فرض الرقابة على الكتاب، يؤكد" كان لدوريات الأمن رقابة دورية إلى دار الفكر، للتأكد من وجود تلك الكتب على الرفوف، أو تمت إزالتها من الرفوف"، ويتابع "لا يكتفون بالسؤال -الرقابة الأمنية- إنما ينزلون إلى المستودعات للتأكد" ويضيف "بالتالي نحن بمجرد أن سقط النظام، نفضنا عن تلك الكتب الغبار وأُعيدت إلى دائرة الضوء".

وجوابا لسؤال الجزيرة نت، حول نهاية الرقابة الرسمية، وهل أصبح الكاتب أو صاحب دار النشر رقيبا ذاتيا على إنتاجه الأدبي، يقول وحيد تاجا" لم يعد هناك شيء مرتبط بالرقابة والرقيب الحكومي (التقليديين)، والأجهزة الأمنية". فهل وجد القارئ السوري نفسه فجأة في جو مختلف، في جو من الحرية المفقودة؟

يقول تاجا في حديثه للجزيرة نت "تماما، فهناك كثير من الناس، كانوا يحصلون على الكتب الممنوعة من تحت الطاولة"، ويوضح "أمّا المشكلة لديّ فهي الوضع (الاقتصادي)، فالوضع الاقتصادي عائق خطير وعائق مهم جدا، بالنسبة للكِتاب"، ويشير إلى أنّ الطبقة التي لديها المال "تستطيع شراء الكتاب، أمّا الطبقة المسحوقة والتي عاشت آلام الحرب، فهمها هو توفير مستلزمات العيش من الطعام، الأمان"، وبمقابل كل ذلك هل كان عدم المنع من السلطات الجديدة؟ أم أنّ دور النشر تصرفت من تلقاء نفسها وبدأت بتوزيع الكتب التي كانت ممنوعة؟

إعلان

يجيب تاجا "بصراحة، الحكومة الجديدة لم توعز بمنع أي كتاب جديد"، وعن تكلفة طباعة الكتاب وتأثيرها على عملية التسويق، يقول المسؤول الإعلامي في دار الفكر في حديثه للجزيرة نت "إنّ التكلفة في طباعة الكتب مرتفعة، وكذلك ارتفاع الأسعار، وهناك مشكلة نقل الكتاب بين الدول العربية، كل ذلك يسهم في تعقيد عملية تسويق الكتاب داخليا وخارجيا".

وختم حيدر تاجا حديثه بالقول "كان هناك سياسة ممنهجة لدى النظام السابق، في كل القطاعات، فأنت لا تستطيع تخريب قطاع وترك آخر، فمثلا لا تستطيع أن تترك الأدب يبقى جيدا، والتعليم والفن التشكيلي والثقافة يتحولون إلى السلبية، لا يمكن ذلك".

مصدر الصورة غسان شبارو مدير النشر والتوزيع في الدار العربية للعلوم ناشرون (مواقع التواصل)

الفترة الحرجة

توجهت الجزيرة نت بالسؤال إلى غسان شبارو، مدير النشر والتوزيع بالدار العربية للعلوم ناشرون، ببيروت، حول واقع الكتاب السوري بعد سقوط النظام، وهل هناك تغيّر ما في الطلب على الكتاب من دور النشر البيروتية؟

يقول شبارو "انتشرت خلال الأزمة السورية، ظاهرة الكتب المزورة أو الكتب المصوّرة، بشكل غير نظامي"، ويضيف بِأنّ تلك الكتب فعليا هي التي "كانت تنافس الكتاب السوري"، ويؤكد "لدرجة أنها خفضّت سوق الكتاب السوري للنصف تقريبا، إذا لم يكن أقل من ذلك بقليل".

ويعزو شبارو، تفاقم تلك الظاهرة إلى "أنّ تكاليفها وتكاليف إنتاجها أقل بكثير من إنتاج الكتاب السوري، لأنه ليس فيها حقوق ولا حقوق مترجم، أي بمعنى كل شيء يكون جاهزا"، ويعطي مثالا على ذلك" القارئ الذي يشتري نسخة من أحد تلك الكتب، وبالتالي يقوم ببيع آلاف النسخ المصورة (المقرصنة)، بدون أي حقوق للمؤلف ولا لدار النشر".

أمّا بالنسبة للرقابة خلال فترة سقوط النظام، أي الفترة الحرجة من تاريخ سورية، يقول شبارو "حاليا لا يوجد شيء واضح، بخصوص قوانين الرقابة على المطبوعات، لحين ترتيب أمور الوزارة المختصة بهذا الجانب الرقابي، عمليا"، وعن الكتاب الديني وهل هناك زيادة بالطلب على تلك الكتب يقول شبارو "الطلب على الكتاب الديني على مستواه السابق، لا يوجد أي مشكلة، لأنّه كان متواجدا في السوق السورية، ولم يتغير عليه شيء".

وعن أحوال الكتاب في سورية بعد سقوط نظام الأسد، تقول مديرة النشر والتوزيع في دار الساقي، رانيا المعلم "لم يتغير حال سوق الكتاب في سورية بعد سقوط النظام، لا تزال السوق السورية مقفلة"، وتشرح المعلم في حديثها للجزيرة نت، أسباب ركود سوق الكتاب بسورية إلى عدة عوامل منها "صعوبة أو استحالة شحن وتوصيل الكتب، الوضع الأمني غير المستتب، القدرة الشرائية المنخفضة نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية".

مصدر الصورة الناقد والباحث السوري "علي سفر" (الجزيرة)

مرحلة ضبابية

تعددت الرقابة على الكتاب في سورية في عهد النظام السابق، فهناك رقابة تقوم بها أجهزة وزارة الإعلام، والرقابة الدينية التي تقوم بها أجهزة متخصصة تابعة للدولة، ولا ننسى أجهزة المخابرات أو دوائر الأمن، وهي في مضمونها رقابة سياسية بالدرجة الأولى، فهذه الأجهزة تقوم بالبحث في "أخلاق المؤلف" السياسية وتوجهاته ومواقفه تجاه النظام السياسي في سورية.

فهل تراجعت الرقابة على الكتاب بعد سقوط النظام، أم تحوّلت لأشكال أخرى؟ يجيب الصحفي السوري المقيم بباريس علي سفر بقوله "حتى الآن لا يبدو أنّ ثمّة تراجعا أو تقدما لأنّ وزارة الإعلام تعهدت باحترام الحريات".

وطالب الكاتب علي سفر، بإصدار تشريعات تنظم مسألة النشر "كي لا تترك بدون ضوابط، وتخدم حرية الكتابة والإبداع. وتمنع التعدي عليها". فهل أثّرت حالة الفوضى أو تعدد السلطات على حرية النشر والتوزيع؟ يؤكد علي سفر في حديثه للجزيرة نت- بأنّه "لا يوجد حالة فوضى، لأنه حتى فترة الرقابة الذاتية التي تلت سقوط نظام الأسد تمّ الإيعاز لدور النشر من أجل الحصول على موافقات نظامية للكتب التي نشروها كي تستطيع أن تخرجها من البلاد للمشاركة في المعارض، والسلطة هنا واحدة وليست متعددة".

إعلان

في الحالة السورية ومع تغيّر الأوضاع السياسية في البلاد بعد أكثر من 50 عاما من حكم الحزب الواحد، هل نشهد اليوم رقابة غير رسمية تمارسها جماعات أو سلطات محلية بدلا من الرقابة المركزية؟ وما الذي تغيّر فعلا في حرية النشر بين الأمس واليوم؟ يقول سفر "بحكم التراكم كان الناشر يعرف ما تريده السلطات الأسدية وما ترفضه"، ويضيف "الآن الأمور ضبابية، ويبدو أن استكشاف منطق الرقابة يحتاج للتجريب طالما أنّ الأمور غير منظمة، بمعنى أننا لا نعرف السياسة التي ستتبعها مديرية الرقابة".

ويختم علي سفر حديثه "بالرغم من كل المعوقات أنا متفائل، لأنّ منطق الحياة يدفع نحو المزيد من الحريات مع قيام الدولة بدعم هذه الصناعة وتوفير المنح، وتعزيز عمل الهيئة العامة السورية للكتاب وغيرها من المؤسسات".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار