لم تكن الضربات الأولى على إيران، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز”، مجرد عملية عسكرية تستهدف الصواريخ والمنشآت والقيادات. فخلف المشهد العسكري، كان هناك تصور سياسي أكثر جرأة وإثارة للجدل: إحداث تغيير في الحكم، والدفع بالرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد إلى واجهة السلطة.
وتقول المجلة الأمريكية، في تقريرها المنشور في 19 مايو/أيار والمحدّث الأربعاء 20 مايو/أيار 2026، إن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تفكران في أحمدي نجاد باعتباره شخصية محتملة لقيادة مرحلة جديدة في طهران، رغم ماضيه السياسي المعروف بمواقفه المتشددة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ودعمه القوي للبرنامج النووي الإيراني أثناء توليه الرئاسة بين عامي 2005 و2013.
بحسب "نيويورك تايمز”، فإن الخطة طُوّرت من الجانب الإسرائيلي، واطلع عليها مسؤولون أمريكيون، كما جرى التشاور مع أحمدي نجاد نفسه بشأنها. وكان الهدف، وفق مسؤولين أمريكيين تحدّثوا للصحيفة، إخراجه من الإقامة الجبرية في طهران، ثم الاستفادة منه في سيناريو أوسع لتغيير القيادة الإيرانية.
لكن الخطة تعثرت بسرعة. ففي اليوم الأول من الحرب ، أصيب أحمدي نجاد في ضربة إسرائيلية استهدفت منزله في طهران. وتقول المجلة إن الضربة لم تكن تهدف إلى قتله، بل إلى استهداف الحراس المحيطين به تمهيدا لتحريره من القيود المفروضة عليه. غير أن إصابته، بحسب الرواية نفسها، جعلته يفقد الثقة في المشروع كله.
ومنذ ذلك الحين، لم يظهر أحمدي نجاد علنا، ولا تزال حالته ومكان وجوده غير معروفين، وفق ما أوردته "نيويورك تايمز”.
تكمن غرابة الخطة في اسم أحمدي نجاد نفسه. فالرئيس الإيراني الأسبق كان طوال سنوات حكمه من أكثر الشخصيات الإيرانية صداما مع واشنطن وتل أبيب. وقد عُرف بدفاعه عن البرنامج النووي الإيراني، وبخطابه السياسي الحاد، كما ارتبط اسمه بقمع الاحتجاجات الداخلية التي أعقبت انتخابات عام 2009.
ومع ذلك، تغيّر موقعه داخل النظام في السنوات الأخيرة. فقد دخل في خلافات متزايدة مع قيادات إيرانية ، واتهم مسؤولين بالفساد، ومُنع من خوض انتخابات رئاسية عدة. كما اعتُقل بعض مساعديه، وقيّدت السلطات حركته داخل منزله في حي نارمك شرق طهران.
هذا التحول، بحسب المجلة، جعل بعض المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين ينظرون إليه كشخصية من داخل النظام، لكنها على خلاف معه. غير أن "نيويورك تايمز” تؤكد أن كيفية تجنيده أو إقناعه بالمشاركة في الخطة لا تزال غير معروفة.
استهدفت الضربات الأمريكية الإسرائيلية الأولى لإيران القيادة الإيرانية العليا وقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وقادة آخرين، فيما جرح خامنئي الابن الذي تولى القيادة خلفا لأبيه لكنه لم يظهر للعلن منذ ذلك التاريخصورة من: Morteza Nikoubazl/NurPhoto/IMAGO
موقع "إن تي في”، الذي استند بدوره إلى تقرير "نيويورك تايمز”، توقف عند هذه النقطة أيضا، مشيرا إلى أن كثير من التفاصيل لا تزال غامضة، وأن الصحيفة نفسها لا تقدم إجابة واضحة عن آلية وصول أحمدي نجاد المفترضة إلى السلطة. بالاضافة إلى ذلك أشار الموقع الألماني إلى نقطة جوهرية: كيف كان يمكن لأحمدي نجاد أن يمسك فعليًا بزمام السلطة في نظام تتركز فيه الصلاحيات العليا بيد المرشد، لا الرئيس؟ فالخطة، كما تظهر في الرواية الصحفية، تكشف طموحًا لتغيير القيادة، لكنها لا تشرح الآلية السياسية التي كان يمكن أن تجعل هذا السيناريو قابلاً للتحقق.
في رده على "نيويورك تايمز”، لم يؤكد البيت الأبيض رواية تغيير القيادة. ونقلت المجلة عن المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي قولها إن أهداف الرئيس دونالد ترامب من العملية كانت واضحة منذ البداية: تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتفكيك منشآت إنتاجها، وإضعاف قدراتها العسكرية، ثم العمل على اتفاق ينهي قدراتها النووية.
أما جهاز الموساد الإسرائيلي فرفض التعليق على التقرير، وفق الصحيفة الأمريكية. بحسب التقرير، تأثر ترامب بنموذج سابق في فنزويلا، حيث اعتقد أن إزاحة قيادة قائمة والتعامل مع بديل من داخل الدولة قد يكون قابلا للتكرار في إيران. لكن بعض المسؤولين الأمريكيين شككوا في واقعية الفكرة، خاصة عندما تعلق الأمر بإعادة أحمدي نجاد إلى موقع القيادة.
وتشير "نيويورك تايمز" إلى أن مسؤولين أمريكيين تحدثوا في الأيام الأولى من الحرب عن البحث عن شخصية "عملية داخل إيران يمكن أن تتولى المرحلة المقبلة، مع التأكيد أن مثل هذه الشخصيات، إن وجدت، لا يمكن وصفها بالضرورة بأنها "معتدلة."
تحرير: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW