تؤكد أحداث الأسبوع المنقضي تحولاً كبيراً في مسار الحرب في أوكرانيا: فكييف لم تعد تكتفي بالدفاع عن أراضيها خطاً بعد خط. باتت أوكرانيا تسعى اليوم إلى إرباك آلة الحرب الروسية في العمق، عبر استهداف الوقود والبنية التحتية اللوجستية وطرق الإمداد والقواعد العسكرية في الأراضي المحتلة.
وفي هذه المرحلة الجديدة، تحتل شبه جزيرة القرم موقعاً مركزياً. فالقرم، التي ضمتها روسيا بشكل غير قانوني سنة 2014، لم تعد مجرد رمز سياسي للنهج البوتيني. بل عادت لتكون نقطة هشاشة عسكرية. وتستهدف الضربات الأوكرانية المخازن والجسور والمحطات النفطية والسكك الحديدية والبنية التحتية المينائية بهدف واضح: جعل الاحتلال الروسي أكثر كلفة، وأكثر اضطراباً، وأصعب على الاستمرار.
الاتحاد الأوروبي يواصل الضغط على موسكو
على الصعيد الدبلوماسي، تميز الأسبوع بقرار مهم من الاتحاد الأوروبي. ففي 25 جوان، مدّد مجلس الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا لمدة اثني عشر شهراً، إلى غاية 31 جويلية 2027.
ويؤكد هذا القرار أن الاستراتيجية الغربية لا تقوم فقط على تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا، بل أيضاً على إضعاف القدرة الروسية تدريجياً على تمويل حربها ودعمها.
ومنذ بداية العدوان الواسع النطاق، فرض الاتحاد الأوروبي قيوداً شملت خصوصاً الصادرات النفطية الروسية، والقطاع المالي، والواردات التكنولوجية، وأدوات الدعاية التابعة للكرملين. وبالنسبة إلى كييف، يمثل هذا التمديد إشارة سياسية مهمة: أوروبا لا تعترف بتطبيع الحرب، ولا تقرّ بالاحتلال، وتعتزم الإبقاء على الكلفة الاقتصادية للعدوان.
وتدعو أوكرانيا اليوم إلى تكثيف هذا الضغط، خصوصاً عبر حزمة جديدة من العقوبات، وتحسين مراقبة التحايل على القيود، وفرض حظر دخول إلى الاتحاد الأوروبي على الأطراف المتورطة في العدوان الروسي، بما في ذلك المرتزقة الأجانب.
ضربات أوكرانية في قلب اللوجستيك الروسي
على المستوى العسكري، هيمنت على الأسبوع مواصلة الضربات الأوكرانية ضد أهداف تقع داخل روسيا وفي الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتاً.
في 20 و21 جوان، استهدفت طائرات مسيّرة هجومية أوكرانية عدة مواقع مرتبطة باللوجستيك العسكري الروسي. ووفق المعطيات الأوكرانية، طالت الضربات خصوصاً بنى تحتية نفطية، ومنشآت نقل، وجسوراً للسكك الحديدية، ومواقع تُستخدم لتزويد الجيش الروسي.
وتعتبر كييف مصفاة النفط في تيومن هدفاً استراتيجياً، بسبب دورها في تزويد الجيش الروسي بالوقود. كما استهدفت ضربات أخرى محطة النفط في كيرتش، وجسوراً للسكك الحديدية في القرم، ومحاور في الجزء المحتل من منطقة زابوريجيا، إضافة إلى بنى تحتية مينائية في إقليم كراسنودار الروسي.
والمنطق الأوكراني واضح: الوقود، والسكك الحديدية، والموانئ، والجسور، والمخازن ليست مجرد بنى تحتية مدنية عندما تُستخدم مباشرة في إمداد جيش احتلال. إنها تصبح حلقات في الحرب الروسية.
ومن خلال ضرب هذه الحلقات، تسعى كييف إلى تقليص قدرة موسكو على نقل قواتها، وتزويد وحداتها، والحفاظ على ضغطها في الجبهة، وتمويل مجهودها العسكري.
القرم من واجهة روسية إلى منطقة توتر
في القرم تحديداً، تظهر آثار هذه الاستراتيجية بشكل أوضح.
منذ سنة 2014، حولت روسيا شبه الجزيرة إلى قاعدة عسكرية متقدمة. فقد تم دمج الموانئ والمطارات والرادارات وأنظمة الحرب الإلكترونية ومخازن الوقود والطرق اللوجستية والبنية التحتية للسكك الحديدية في المجهود الحربي الروسي ضد أوكرانيا.
لكن هذه العسكرة جعلت القرم أيضاً عرضة للخطر. فكلما استخدمت موسكو شبه الجزيرة كمنصة عسكرية، زادت من تعريضها للضربات الأوكرانية.
وتجسد أزمة الوقود هذه الهشاشة. ففي القرم المحتلة، فرضت السلطات المنصبة من قبل موسكو قيوداً على توزيع البنزين. وتم تعليق البيع للأفراد أو تقييده بشدة، في حين توجه المخزونات المتاحة بالأساس نحو حاجات إدارة الاحتلال، والخدمات العمومية، وخاصة المنظومة العسكرية الروسية.
وتظهر العواقب بوضوح: طوابير أمام محطات الوقود، صعوبات في التنقل، اضطرابات في النقل، قلق لدى السكان، وتأثير مباشر على الموسم السياحي. فالقرم التي أرادت موسكو تقديمها كوجهة روسية “طبيعية” تبدو أكثر فأكثر كمنطقة حرب تحت الضغط.
وفي سيفاستوبول، تعكس القيود على الكهرباء ضغطاً متزايداً على الشبكات. كما تم تسجيل انقطاعات في التيار الكهربائي في المناطق المحتلة من خيرسون، قرب القرم. ويؤكد الانخفاض التدريجي في عدد القطارات المتجهة إلى شبه الجزيرة وتعليق بعض الأنشطة الصيفية، خاصة الموجهة للأطفال، أن الحرب بدأت تلحق بالمجال الذي أرادت موسكو إبقاءه بعيداً عن الجبهة.
موسكو تتهم كييف، لكن أصل الأزمة هو الاحتلال
تحاول الدعاية الروسية تصوير هذه الندرة على أنها أزمة إنسانية تسببت فيها أوكرانيا. غير أن هذه القراءة تقلب المسؤوليات.
فأزمة الوقود في القرم هي أولاً نتيجة مباشرة للحرب التي أطلقها الكرملين. الاحتلال الروسي هو الذي حوّل شبه الجزيرة إلى قاعدة عسكرية. وروسيا هي التي تستخدم القرم لدعم عملياتها في جنوب أوكرانيا، والسيطرة على البحر الأسود، وتغذية مجهودها الحربي.
وفي هذه الظروف، تصبح البنى التحتية التي تخدم الاحتلال أهدافاً عسكرية مشروعة. وتؤكد كييف هذه النقطة: الضربات تستهدف القدرة العسكرية الروسية، لا المدنيين الذين يعيشون تحت الاحتلال.
كما أن المشكلة الإنسانية ترتبط أيضاً بالطريقة التي ترتب بها الإدارة الروسية أولويات الموارد. فعندما يصبح الوقود نادراً، تكون أولويات الاحتلال واضحة: الجيش، وأجهزة الأمن، والجهاز الإداري. أما الحاجات المدنية فتأتي لاحقاً.
بعبارة أخرى، يدفع سكان القرم ثمن عسكرة فرضتها موسكو.
عملية ضغط لمدة أربعين يوماً
أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه وافق على عملية تستمر أربعين يوماً ينفذها جهاز الأمن الأوكراني، بهدف زيادة الضغط على روسيا ودفع موسكو نحو إنهاء الحرب.
ويندرج هذا الإعلان ضمن اتجاه أصبح واضحاً منذ أشهر: أوكرانيا تكثف الضربات المتوسطة والبعيدة المدى ضد مواقع مرتبطة بالصناعة العسكرية والنفط والغاز واللوجستيك والبنية التحتية التي يستخدمها الجيش الروسي.
والهدف ليس تكتيكياً فقط، بل سياسي أيضاً. تريد كييف أن تُظهر لموسكو أن الحرب لا يمكن أن تبقى محصورة داخل الأراضي الأوكرانية. فما دامت روسيا تقصف المدن الأوكرانية، وتحتل الأراضي، وتستخدم بنيتها التحتية لدعم العدوان، فإن عمقها سيبقى مكشوفاً.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تغيير حسابات الكرملين: جعل مواصلة الحرب أكثر كلفة من فتح مفاوضات حقيقية.
على الجبهة… حرب استنزاف لا تزال دامية
في الوقت الذي تضرب فيه أوكرانيا العمق الروسي، تتواصل حرب الاستنزاف على الجبهة.
في دونباس، تواصل القوات الروسية الضغط على قطاعات كوستيانتينيفكا، وليمان، وسلوفيانسك، وكراماتورسك. وتشكل هذه المدن إحدى النوى الدفاعية الأوكرانية في شرق البلاد. وتسعى روسيا إلى التقدم ببطء، على حساب خسائر كبيرة، عبر إنهاك الدفاعات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة والمدفعية والقنابل الانزلاقية والهجمات المتكررة.
لكن هذا التقدم يبقى مكلفاً. فالجيش الروسي يتقدم عبر ضغط متواصل، لا عبر اختراق حاسم. قد يربح أحياناً بعض الأراضي، لكنه يفعل ذلك مقابل استهلاك هائل للرجال والذخيرة والمدرعات والوقود. وهذه هي بالضبط الآلية التي تسعى الضربات الأوكرانية في العمق إلى تعطيلها.
فكلما باتت المخازن والطرق والمصافي والسكك الحديدية الروسية مهددة، أصبحت حرب الاستنزاف أصعب على موسكو من حيث القدرة على الاستمرار.
الحرب تدخل مرحلة الضغط الشامل
يبين الأسبوع المنقضي أن الحرب باتت تدور على عدة مستويات.
على الصعيد الدبلوماسي، تمدد أوروبا العقوبات وتؤكد دعمها لأوكرانيا.
وعلى الصعيد العسكري، تضرب كييف أبعد وبشكل أكثر منهجية البنية التحتية التي تغذي الجيش الروسي.
وعلى الصعيد اللوجستي، تتحول القرم المحتلة إلى نقطة هشاشة كبرى بالنسبة إلى موسكو.
وعلى الصعيد السياسي، تريد أوكرانيا فرض فكرة بسيطة: الاحتلال ليس وضعاً مستقراً، ولا يمكن اعتبار أي ضم غير قانوني أمراً لا رجعة فيه.
والقرم في قلب هذه الرسالة. فقد كانت نقطة انطلاق العدوان الروسي سنة 2014. وقد تصبح في سنة 2026 إحدى نقاط ضعف المجهود الحربي الروسي.
خلاصة: القرم كاشفة لضعف روسيا
لم تعد الحرب في أوكرانيا تُحسم فقط في الخنادق. إنها تُخاض أيضاً في مخازن الوقود، والمحطات النفطية، وجسور السكك الحديدية، والموانئ، والمحطات، وشبكات الكهرباء، وطرق الإمداد.
لا تزال روسيا تملك وسائل كبيرة. فهي تواصل قصف المدن الأوكرانية، وتعبئة مواردها، والدفاع بشراسة عن الأراضي المحتلة. لكن اتجاه الأسبوع واضح: أوكرانيا تسعى إلى نقل مركز ثقل الحرب.
من خلال استهداف اللوجستيك، تضرب كييف النقطة التي يعتمد عليها الجيش الروسي أكثر من غيرها. ومن خلال عزل القرم تدريجياً، تحول مكسباً رمزياً لبوتين إلى عبء عسكري. ومن خلال الحصول على تمديد العقوبات الأوروبية، تبقي الضغط الاقتصادي على موسكو. وبإطلاق عملية تستمر أربعين يوماً، توجه رسالة مفادها أن حرب الاستنزاف يمكن أن تتحول أيضاً إلى حرب ضغط على العمق الروسي.
وتظل القرم جزءاً لا يتجزأ من أوكرانيا، محتلة مؤقتاً من قبل روسيا. ولا يمكن اعتبار أي احتلال غير قانوني أمراً لا رجعة فيه، وستواصل أوكرانيا استخدام كل الوسائل المشروعة التي يتيحها القانون الدولي لاستعادة سيادتها ووحدة أراضيها.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية