أنهت تونس مشاركتها في مونديال 2026 بهزيمة ثالثة، بعدما انقادت إلى خسارة بنتيجة 3-1 أمام هولندا في مدينة كانساس سيتي.
مباراة حُسمت عملياً في ست دقائق وأربع وعشرين ثانية، قبل أن تعكس تصريحات ما بعد اللقاء خطابين متناقضين: تشخيص قاسٍ من هيرفي رينار في الجانب التونسي، ونظرة هادئة نحو القادم من رونالد كومان في الجانب الهولندي.
وتحت أمطار كانساس سيتي، لم يجد “نسور قرطاج” الوقت الكافي للدخول فعلياً في أجواء المباراة. فمنذ الدقيقة الثالثة، حوّل إلياس السخيري عرضية دنزل دومفريس بالخطأ إلى مرمى فريقه. وبعد أربع دقائق فقط، ضاعف براين بروبي النتيجة، مستفيداً من تمهيد من فيرجيل فان دايك إثر مخالفة نفذها تيجاني رايندرس.
وفي أقل من سبع دقائق، كانت ملامح المباراة قد رُسمت تقريباً.
ورغم ذلك، حاول المنتخب التونسي الرد. ومع بداية الشوط الثاني، قلّص حازم المستوري الفارق بضربة رأسية إثر ركنية نفذها حنبعل المجبري في الدقيقة 54. لكن الأمل لم يدم طويلاً.
ففي الدقيقة 62، أعاد يان بول فان هيكه فارق الهدفين لصالح “الطواحين” بضربة رأسية إثر ركنية، اصطدمت بأنيس بن سليمان، ليحسم انتصاراً هولندياً لم يتعرّض فعلياً لأي اهتزاز كبير.
وقد سجّل المدافعون التونسيون هدفين ضد مرماهم.
وبعيداً عن النتيجة، فإن حصيلة المنتخب التونسي هي الأكثر لفتاً للانتباه: ثلاث مباريات، ثلاث هزائم، هدفان فقط سجّلهما، 12 هدفاً استقبلها، ودون أي نقطة. ولأول مرة في تاريخه بكأس العالم، يغادر المنتخب التونسي دور المجموعات دون أن يحصد أي نقطة.
لم تكن مجرد إقصاء، بل كانت انهياراً بالأرقام.
هيرفي رينار دون أعذار
في تصريح لقناة beIN Sports، لم يحاول هيرفي رينار تجميل الواقع. فالمدرب الفرنسي، الذي تم استدعاؤه بشكل عاجل بعد رحيل صبري لموشي خلال البطولة، أقرّ بأن تونس لم تكن في مستوى الحدث.
وركّز تشخيصه أولاً على البداية الكارثية. فتلقّي هدفين بهذه السرعة في مباراة ضمن كأس العالم يعني عملياً نسف أي خطة لعب تقريباً. لكن رينار أشار أيضاً إلى مشاكل أعمق: فرص لم تُستغل كما يجب، نقص في الصلابة خلال اللحظات الحاسمة، وهشاشة متواصلة في التعامل مع الكرات الثابتة.
كان المدرب الفرنسي يدرك أن مهمته أشبه بمحاولة إنقاذ شبه مستحيلة. فبعد الانهيار أمام السويد، ثم الهزيمة الثقيلة أمام اليابان، دخلت تونس هذه المباراة الأخيرة دون أي أمل في التأهل، وبثقة متضررة إلى حد كبير. وجاءت الهزيمة أمام هولندا لتؤكد فقط حجم الورش المفتوح.
وكان رينار قد عبّر سابقاً عن انزعاجه بعد الظهورين السابقين للمنتخب التونسي، متحدثاً عن شعور بالخجل تجاه الشعب التونسي. وبعد مباراة كانساس سيتي، أصبح التشخيص أوسع: تونس لم تخسر ثلاث مباريات فقط، بل تفوقت عليها المنتخبات المنافسة في الحدة والنجاعة والتحكم في التفاصيل التي تصنع الفارق في أعلى المستويات.
وبما أن عقده مع الجامعة التونسية لكرة القدم كان محدوداً بهذا المونديال، فمن المنتظر منطقياً أن تنتهي هذه المهمة القصيرة بحصيلة قاسية. ولم يعد الوقت وقت تبريرات عاجلة، بل وقت مراجعة عميقة.
كومان راضٍ لكن في حالة يقظة مبكرة
في الجانب الهولندي، كان الخطاب مختلفاً بطبيعة الحال. فقد استطاع رونالد كومان أن يستمتع بتأهل مُحكم وصدارة المجموعة السادسة، بعد جمع سبع نقاط وتسجيل عشرة أهداف. وينهي منتخب “الطواحين” الدور الأول أمام اليابان، ويدخل دور الـ32 بزخم هجومي لافت.
لكن كومان لم يقدّم خطاباً احتفالياً مبالغاً فيه. فقد شدد مدرب هولندا على النقاط التي تحتاج إلى تصحيح، وخاصة التنظيم الدفاعي. إذ استقبل المنتخب الهولندي هدفاً جديداً، وأظهرت بعض الفترات وجود مساحات في كتلته الدفاعية، خصوصاً في التحولات والكرات الثابتة.
أمام تونس، لم تكن هذه الأخطاء مكلفة. أما أمام المغرب، فقد تكون تبعاتها أكبر بكثير.
وسيواجه منتخب هولندا نظيره المغربي في مونتيري، في مواجهة تحمل شحنة رمزية ورياضية قوية. ورفض كومان الحديث عن قرعة سهلة، بل قدّم هذا الموعد باعتباره اختباراً حقيقياً أمام منتخب مغربي قادر على التسجيل والضغط ومعاقبة أي هفوة.
وعند سؤاله عن الظروف المنتظرة في المكسيك، وخاصة الحرارة، بدا كومان هادئاً. وسيبقى فريقه بضعة أيام أخرى في كانساس سيتي قبل التوجه إلى مونتيري للتحضير لأول مباراة إقصائية مباشرة.
إقصاء يتجاوز حدود النتيجة
بالنسبة إلى تونس، لا يمكن اختزال هذا الخروج في ليلة سيئة واحدة.
فالمباراة أمام هولندا لخّصت، بشكل مكثف، كل ثغرات البطولة: بدايات فاشلة، ارتباك دفاعي، ضعف في الفاعلية الهجومية، صعوبات في التعامل مع الكرات الثابتة، وعجز عن مجاراة النسق الذي تفرضه المنتخبات الكبرى لفترات طويلة.
ويختصر التباين بين دكتي البدلاء كل شيء. رونالد كومان يتحدث منذ الآن عن التعديلات قبل مواجهة المغرب. أما هيرفي رينار، فيترك خلفه تشخيصاً للفشل ومنتخباً يحتاج إلى إعادة بناء.
انتهت كأس العالم بالنسبة إلى تونس. أما التشخيص، فقد بدأ للتو.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية