يواصل المعلّق المحافظ الأمريكي المؤثر تاكر كارلسون تحوّله السياسي اللافت. ففي تصريح بارز خلال مقابلة مع قناة “سكاي نيوز”، أقرّ المذيع السابق البارز في “فوكس نيوز” بأنه كان مخطئاً في مواقفه السابقة من الإسلام والمسلمين، وذهب إلى حد وصف خطابه في تلك الفترة بأنه كان “هستيرياً”.
وبحسب مجلة “نيوزويك”، اعترف كارلسون بأنه ظلّ لسنوات يكرر على شاشة التلفزيون أن “المشكلة هي الإسلام” وأن “المشكلة هي المسلمون”. وعند عودته إلى هذه التصريحات، أقرّ بأنه كان يؤمن بها، قبل أن يضيف أنها لم تكن صحيحة.
يمثل هذا الاعتراف بالخطأ منعطفاً جديداً في التطور الإيديولوجي لشخصية ارتبطت طويلاً بالجناح المتشدد في التيار المحافظ الأمريكي. فتاكر كارلسون، الذي كان أحد أبرز الوجوه الإعلامية المؤثرة في الحركة الترامبية، يضاعف منذ أشهر مواقفه المخالفة لمعسكره السياسي السابق، على خلفية خلافات عميقة حول دونالد ترامب، والسياسة الخارجية الأمريكية، وإسرائيل، وإيران.
تغيير لافت في الخطاب تجاه الإسلام
يكتسي هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى الماضي الإعلامي لكارلسون، الذي طبعته تصريحات كثيرة مثيرة للجدل بشأن المسلمين. فخلال سنواته في “فوكس نيوز”، روّج بانتظام لخطابات تربط الإسلام بالتهديد الأمني، ودافع عن المرسوم migratoire الذي أصدره دونالد ترامب ومنع بموجبه دخول مواطني عدة دول ذات أغلبية مسلمة إلى الولايات المتحدة، كما انتقد خطوات إدارة بايدن تجاه المسلمين الأمريكيين.
وقد جرّت عليه هذه المواقف اتهامات متكررة بالإسلاموفوبيا. وكان مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، المعروف اختصاراً بـCAIR، قد طالب في أكثر من مناسبة برحيله عن “فوكس نيوز”، متهماً إياه بالترويج لخطاب معادٍ للمسلمين والمهاجرين والأقليات.
لكن منذ نهاية سنة 2025، يبدو أن تاكر كارلسون غيّر نبرته. فقد وصف الاعتداءات التي استهدفت مسلمين أمريكيين بأنها “مقززة”، كما ندد بخوف من الإسلام يرى أنه جرى تضخيمه داخل النقاش العام الأمريكي.
وبالنسبة إلى منتقديه، لا يكفي هذا التموضع الجديد لمحو سنوات من الخطابات المثيرة للجدل. أما بالنسبة إلى أنصاره، فهو يؤكد، على العكس، قطيعة مع ردود الفعل الإيديولوجية التي تشكلت بعد هجمات 11 سبتمبر.
وفي كلتا الحالتين، فإن الرسالة السياسية قوية: أحد أشهر وجوه اليمين الإعلامي الأمريكي يعترف اليوم بأنه ساهم في خلق مناخ من الشك العام تجاه المسلمين.
إسرائيل وفلسطين والقطيعة مع الإجماع القديم
لا يقتصر هذا التحول في الخطاب على الإسلام. فقد أصبح تاكر كارلسون أيضاً أكثر انتقاداً لإسرائيل ولنفوذها في السياسة الخارجية الأمريكية.
وخلال المقابلة نفسها، قال إن إسرائيل التي عرفها قبل عقود لم تعد تشبه الدولة الحالية، معتبراً أن البلاد تغيرت بعمق.
ويأتي هذا التطور في سياق توترات متصاعدة داخل اليمين الأمريكي. فجزء من المعسكر المحافظ، الذي ظل طويلاً شديد الاصطفاف إلى جانب إسرائيل، بدأ يشكك في الكلفة السياسية والدبلوماسية والعسكرية للدعم الأمريكي للدولة العبرية، خاصة منذ الحرب في غزة والأزمات الإقليمية التي تلتها.
لكن هذا التحول يعرّض كارلسون أيضاً لاتهامات حادة. إذ يتهمه خصومه بالانزلاق نحو أطروحات معادية للسامية، خصوصاً بعد أن استضاف نيك فوينتس، الشخصية المثيرة للجدل في أقصى اليمين الأمريكي. ويرفض كارلسون هذه الاتهامات، مؤكداً أن انتقاداته تستهدف الخيارات السياسية للحكومة الإسرائيلية، لا اليهود أو الإسرائيليين بصفتهم جماعة.
ويكشف هذا النقاش عن انقسام جديد: فانتقاد إسرائيل لم يعد يأتي فقط من اليسار الأمريكي، أو من الأوساط النضالية المؤيدة لفلسطين، أو من الرأي العام العربي والإسلامي. بل بات يخترق أيضاً جزءاً من اليمين الانعزالي، الذي يرفض أن تضع واشنطن أموالها وجيشها ودبلوماسيتها في خدمة حلفاء أجانب.
قطيعة أوسع مع ترامب والجمهوريين
يندرج تحول تاكر كارلسون أيضاً ضمن قطيعة أوسع مع دونالد ترامب والحزب الجمهوري. فبعد أن اعتُبر طويلاً أحد أقوى الداعمين الإعلاميين للترامبية، أعلن كارلسون مؤخراً أنه لن يدعم الحزب الجمهوري بعد الآن، مع تأكيده في الوقت نفسه أنه لن ينضم إلى الحزب الديمقراطي.
وتسارعت هذه المسافة خصوصاً على خلفية السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما بشأن إيران وإسرائيل. ويتهم كارلسون جزءاً من اليمين الجمهوري بالتخلي عن وعد “أمريكا أولاً”، من خلال دعم التزامات خارجية يعتبرها مناقضة لمصالح المواطنين الأمريكيين.
ويعكس هذا التحول إعادة تشكل داخل التيار المحافظ الأمريكي. فمن جهة، هناك يمين تقليدي ما زال شديد الدعم لإسرائيل ومتمسكاً بالتحالفات الكلاسيكية للولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، تيار قومي وانعزالي يعارض التدخلات الخارجية، وينتقد نفوذ الحلفاء الأجانب، ويعيد النظر في بعض المواقف الموروثة من مرحلة ما بعد 11 سبتمبر.
رأي عام أمريكي يتحرك – الأرقام:
لا تأتي تصريحات تاكر كارلسون من فراغ. فهي تتزامن مع تحول قوي في الرأي العام الأمريكي على جبهتين: صورة المسلمين وصورة إسرائيل.
وبحسب المؤشر الوطني للإسلاموفوبيا، الصادر عن معهد السياسة الاجتماعية والفهم، تقدمت الصور النمطية السلبية عن المسلمين في الولايات المتحدة بين سنتي 2022 و2025. فقد ارتفع المؤشر العام من 25 إلى 33 نقطة، في دلالة على تصاعد التصورات العدائية لدى جزء من السكان الأمريكيين، رغم الحضور المتزايد للمسلمين في الحياة العامة.
في الوقت نفسه، تدهورت صورة إسرائيل بشكل واضح. فقد أظهر استطلاع لمركز “بيو” للأبحاث، أُجري بين 23 و29 مارس 2026، أن 60% من البالغين الأمريكيين باتت لديهم نظرة غير مؤيدة لإسرائيل، مقابل 37% فقط لديهم آراء مؤيدة. كما بلغت نسبة عدم الثقة في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو 59%.
ومن جهتها، رصدت مؤسسة “غالوب” تحولاً كبيراً في التعاطف الأمريكي بشأن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. فلأول مرة منذ بداية سلسلتها السنوية في سنة 2001، لم يعد الأمريكيون يعلنون تعاطفاً أكبر مع الإسرائيليين مقارنة بالفلسطينيين. ويظهر هذا التحول بشكل خاص لدى المستقلين والديمقراطيين.
ولا تعني هذه الأرقام أن الدعم الأمريكي لإسرائيل اختفى. لكنها تظهر أن الإجماع القديم بدأ يتآكل. ولا تزال صورة إسرائيل إيجابية لدى بعض شرائح الناخبين، خاصة بين الجمهوريين الأكبر سناً والإنجيليين البيض. لكن لدى الشباب والديمقراطيين وجزء من المستقلين، تغيرت النظرة بعمق.
لماذا يهم هذا التحول جاليتنا أيضاً؟
بالنسبة إلى القراء التونسيين والمغاربيين والمسلمين المقيمين في الغرب، يتجاوز تحول تاكر كارلسون الحالة الشخصية لمعلّق أمريكي مثير للجدل. فهو يمس مسألة أوسع: السردية الإعلامية المهيمنة التي بُنيت منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 حول الإسلام، والمسلمين، والأمن، والشرق الأوسط.
فعلى مدى أكثر من عقدين، ساهم جزء من وسائل الإعلام والطبقة السياسية الغربية في ترسيخ معادلة تبسيطية: الإسلام، الهجرة، التطرف، التهديد. وقد أثقل هذا الإطار التفسيري كاهل المسلمين في أوروبا وأمريكا الشمالية، الذين طُلب منهم في كثير من الأحيان تبرير أنفسهم، أو إعلان براءتهم، أو إثبات ولائهم.
أن يعترف اليوم وجه إعلامي بارز مثل تاكر كارلسون بأنه شارك في هذه الهستيريا لا يعني أن الإسلاموفوبيا تختفي. ولا يعني أيضاً أن المسلمين أصبحوا فجأة أكثر حماية في الفضاء العام الغربي. لكنه يكشف عن ثغرة مهمة: الخطاب الذي بدا مهيمناً، وغير قابل للنقاش، وشبه تلقائي، بدأ يُناقش ويُعارض، بل ويتبرأ منه أحياناً بعض من ساهموا في حمله.
ويظهر الاتجاه نفسه بشأن فلسطين. فالحرب في غزة، وصور الدمار الواسع، وطول أمد النزاع، غيّرت بعمق نظرة جزء من الرأي العام الأمريكي والأوروبي إلى إسرائيل. وهنا أيضاً، لا يكون التحول كاملاً ولا موحداً، لكنه حقيقي: انتقاد سياسة الحكومة الإسرائيلية لم يعد حكراً على اليسار، أو الأوساط النضالية، أو الرأي العام العربي والإسلامي.
وهنا يصبح ملف كارلسون لافتاً. ليس لأنه أصبح مدافعاً عن المسلمين أو عن القضية الفلسطينية، بل لأنه يجسد شرخاً جديداً في السردية الغربية. فما كان يُقدَّم سابقاً على أنه إجماع — الريبة من الإسلام، الدعم التلقائي لإسرائيل، ومواءمة السياسة الخارجية الأمريكية مع حسابات الشرق الأوسط — أصبح اليوم ساحة خلاف.
بالنسبة إلى المسلمين المقيمين في الغرب، قد يفتح هذا التطور هامش تنفس، لكنه لا يكفي لمحو التمييز والخلط والعنف الرمزي المتراكم طوال سنوات. أما بالنسبة إلى العالم العربي، فهو يظهر قبل كل شيء أن معركة الرأي العام ليست جامدة. فالسرديات تتغير، واليقينيات الإعلامية تنقلب، وأحياناً ينتهي من ساهموا في صناعة الخوف إلى الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين.
لذلك، فإن الموضوع ليس تاكر كارلسون وحده. الموضوع هو تعب سردية غربية قديمة، طالما اختزلت المسلمين في صورة تهديد، وحصّنت إسرائيل داخل النقاش العام.
هذه السردية لا تختفي. لكنها لم تعد غير قابلة للجدل كما كانت من قبل.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية