يمثل التسريع في تنفيذ البرامج والمشاريع العمومية أحد أهم الرهانات الاقتصادية التي تواجه تونس في المرحلة الراهنة، ليس فقط باعتباره أداة لتحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية، ولكن بالخصوص باعتباره محركا مباشرا للنمو الاقتصادي والتشغيل والاستثمار.
وفي هذا السياق، جاء المجلس الوزاري المضيق المنعقد يوم 4 جوان 2026 بإشراف رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ليؤكد مجددا أن تسريع إنجاز المشاريع العمومية أصبح خيارا استراتيجيا للدولة من أجل دفع التنمية الشاملة والعادلة والمتوازنة وتحسين مناخ الأعمال والاستجابة لتطلعات المواطنين.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في ظل سعي الاقتصاد التونسي إلى تعزيز نسق النمو بعد سنوات من الضغوط المالية والاقتصادية وسط تأكيد التجارب الدولية أن الاستثمار العمومي يعد من أكثر الأدوات نجاعة في تحفيز النشاط الاقتصادي، حيث يخلق طلبا مباشرا على السلع والخدمات ويولد تأثيرات مضاعفة على الاستثمار الخاص. وتشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن كل دينار إضافي من الاستثمار العمومي المنتج يمكن أن يولد أثرا اقتصاديا يتجاوز قيمته الأصلية عبر تنشيط قطاعات البناء والنقل والخدمات والصناعات المرتبطة بها.
وتبرز أهمية هذا التوجه في تونس بالنظر إلى الوزن الذي تمثله الاستثمارات العمومية ضمن المخططات التنموية الوطنية، سيما في القطاعات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي المرتفع مثل الصحة والنقل والتجهيز والإسكان والفلاحة والبيئة والرقمنة والتعليم والتكوين المهني والثقافة، وهي القطاعات التي تناولها العرض المفصل الذي قدمه وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ خلال المجلس الوزاري.
تعزيز البنية التحتية لدعم التنافسية
يشكل تطوير البنية التحتية أحد أهم محددات القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني ولذلك شددت رئيسة الحكومة على ضرورة استكمال المشاريع الجارية في آجالها المحددة والانطلاق في مشاريع جديدة مع إحكام المتابعة الميدانية وتجاوز العراقيل الفنية والعقارية والإدارية التي تؤخر الإنجاز.
ويأتي هذا التوجه في وقت تحتاج فيه تونس إلى تعزيز استثماراتها في البنية التحتية المهيكلة من أجل رفع إنتاجية الاقتصاد وتحسين جاذبية الجهات الداخلية للاستثمار بحكم ما تمثله شبكات الطرقات واللوجستية والنقل الجماعي والبنية التحتية الرقمية والمنشآت الصحية والتعليمية من ركائز أساسية لتحقيق نمو أكثر استدامة وشمولا.
وتؤكد المؤشرات الاقتصادية أن تحسين البنية التحتية ينعكس مباشرة على القدرة التنافسية للبلاد وعلى تقليص الفوارق التنموية بين الجهات. كما أن الاستثمار في مشاريع النقل والطرقات والمناطق اللوجستية يساهم في تخفيض كلفة الإنتاج والتوزيع، بينما تدعم الاستثمارات في الرقمنة والتعليم والتكوين المهني رفع جودة رأس المال البشري وتحسين إنتاجية المؤسسات.
وتنسجم دعوة الحكومة إلى تطوير حوكمة المشاريع العمومية مع التوجهات الحديثة في إدارة الاستثمار العمومي، والتي تقوم على الإعداد المسبق للمشاريع ودراسة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والبيئية قبل الانطلاق في التنفيذ. وتعتبر هذه المقاربة ضرورية لضمان نجاعة الإنفاق العمومي وتحقيق أفضل مردودية اقتصادية ممكنة من الموارد المالية المتاحة.
إصلاح مناخ الاستثمار
يمثل الجانب المؤسساتي والتشريعي الحلقة المكملة لنجاح المشاريع العمومية وتحويلها إلى رافعة للنمو. وفي هذا الإطار، أكدت رئيسة الحكومة أن الدولة تعمل حاليا على مراجعة الإطار القانوني والترتيبي المنظم للاستثمار، إلى جانب تنفيذ مشاريع التحول الرقمي للإدارة وتقليص آجال معالجة الملفات وإلغاء عدد من التراخيص الإدارية وتطوير منظومة الصفقات العمومية.
ويحمل هذا المسار الإصلاحي أهمية اقتصادية كبرى، باعتبار أن تبسيط الإجراءات الإدارية يعد من أهم العوامل المؤثرة في قرارات المستثمرين المحليين والأجانب. كما أن تقليص آجال إنجاز المعاملات الإدارية يساهم في تخفيض كلفة الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وتبرز هنا أهمية المنصة الرقمية الموحدة التي تم إرساؤها لمتابعة المشاريع العمومية، باعتبارها أداة حديثة للحوكمة والشفافية تسمح بمتابعة تقدم الإنجاز بشكل لحظي ورصد التعطيلات المحتملة والتدخل لمعالجتها في الوقت المناسب. كما تعكس هذه المنصة توجه الدولة نحو رقمنة الإدارة وتحديث أدوات المتابعة والتقييم.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، لا يقتصر أثر هذه الإصلاحات على تحسين تنفيذ المشاريع العمومية فحسب، بل يمتد إلى دعم الاستثمار الخاص وخلق فرص العمل ورفع القيمة المضافة المحلية فكلما تحسنت البنية التحتية وتطورت الخدمات الإدارية وارتفعت كفاءة الإنفاق العمومي، ازدادت قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات المنتجة وخلق الثروة.
تؤكد الرسائل الصادرة عن المجلس الوزاري أن نجاح هذا المسار يبقى رهينا بترسيخ ثقافة المتابعة والنتائج. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بأن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفير التمويلات أو إعداد البرامج، بل في ضمان التنفيذ الفعلي للمشاريع وفق الآجال والكلفة والجودة المحددة ذلك ان كل تأخير في إنجاز مشروع عمومي يترجم إلى كلفة اقتصادية واجتماعية إضافية تتمثل في ضياع فرص الاستثمار والتشغيل وتعطيل الخدمات الأساسية.
وتؤشر هذه المقاربة إلى انتقال تدريجي نحو نموذج تنموي أكثر تركيزا على النجاعة والحوكمة والإنجاز، بما يجعل من الاستثمار العمومي أداة فعلية لدفع النمو وتحقيق التنمية الجهوية وتحسين جودة الحياة، وهو ما تحتاجه تونس اليوم لتعزيز قدرتها على تحقيق نمو أعلى وأكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية