مرحلة ما بعد محمد السادس حاضرة بالفعل في الأذهان، بل وعلى الألسن أيضًا، لكنها تُطرح همسًا و تلميحًا، إذ لا يجرؤ أحد على إثارة هذا الموضوع علنًا. فالكلام عن الملك بهذه الطريقة ليس أمرًا مألوفًا في بلاط صاحب الجلالة.
غير أن الصحفيين الفرنسيين في صحيفة «لوموند»، كريستوف أياد وفريديريك بوبان، لم يلتزما بهذا الحظر غير المعلن، بل أصدرا كتابًا يتناول نهاية هذا العهد، وعودة أشباح الماضي، وبداية خروج السكاكين من أغمادها. ويحمل الكتاب عنوان «رواية ملك»، وقد صدر في باريس يوم 6 ماي، محمّلًا بجملة من المعطيات حول القوى التي تتحرك للتموقع في الصفوف الأمامية مع اقتراب انتقال السلطة الملكية.
و بطبيعة الحال، يتمثل أبرز ما يتناوله الكتاب في صعود مولاي الحسن إلى العرش، وعودة والدته للا سلمى إلى الواجهة، وهي التي لُقّبت بـ«الأميرة الشبح» منذ طلاقها من الملك محمد السادس سنة 2018. وكان الحديث قد دار في جانفي 2026 عن أجواء انتقامية بعد المضايقات التي تعرضت لها، غير أن المسألة تعود اليوم بحدة أكبر، خاصة أن ابنها بات داخل دائرة السلطة العليا، بعد تعيينه منسقًا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية.
و بعد 8 سنوات من ذلك الطلاق المدوي، لا تزال أسبابه الحقيقية غير معروفة، ويُقال فقط إن العلاقة بين الزوجين «لم تعد تسير كما ينبغي». كما أن المواطنين المغاربة لا يجرؤون على الخوض في هذا الموضوع، على الأقل علنًا. أما الصحفيان الفرنسيان، فقد ذهبا أبعد من ذلك، إذ يؤكدان أن سلمى كانت تأخذ على محمد السادس عدم اهتمامه الكافي بولديه، مولاي الحسن وللا خديجة.
ويؤكدان أيضًا أن شقيقات الملك الثلاث، مريم وأسماء وحسناء، لا يكنّ أي تقدير لهذه المرأة التي لا تنتمي إلى «الدم الأزرق»، أي الدم الملكي، في حين يقرّ الجميع بأنها صاحبة شخصية قوية. والمؤكد أن للا سلمى، البالغة اليوم 48 عامًا، اختفت تمامًا من الخطاب الرسمي والصور الرسمية بعد طلاقها.
و قد امتد «اختفاؤها» على مدى 6 سنوات طويلة، قبل أن تعود إلى الظهور في صيف 2024 بجزيرة ميكونوس في اليونان، رفقة طفليها. وكانت تلك أول خطوة نحو نهاية «مرحلة العزل». وفي سبتمبر 2025، سرّبت وسائل إعلام قريبة من القصر الملكي خبر زيارتها إلى مستشفى في فاس. وبشكل غير رسمي، كان ذلك بمثابة نهاية لفترة غضب القصر عليها. فقد انتهى محمد السادس إلى الرضوخ لواقع يفرض نفسه عليه، وهو مسألة خلافته.
و يعلّق كريستوف أياد وفريديريك بوبان في كتابهما بالقول: «من الواضح أن تغييرًا في وضعها بصدد الحدوث، فظهورها العلني أصبح أكثر تواترًا، وصورتها باتت مألوفة من جديد، وإن بقيت محتشمة».
و في ديسمبر 2025، شوهدت للا سلمى رفقة ابنها الحسن في مراكش، كما ظهرت في جانفي الماضي خلال مباراة المغرب وتنزانيا في ثمن نهائي كأس أمم إفريقيا. ويتحدث مؤلفا الكتاب عن عودة «تدريجية ومحسوبة» إلى دائرة القبول، بما يكشف بوضوح «مدى تحرك الخطوط داخل العائلة الملكية».
و تتحدث الأوساط في الرباط عن مكانتها إلى جانب ولي العهد، بل إنه يقيم معها في العاصمة، وهو ما «سيمنحها بلا شك تأثيرًا مؤكدًا في شؤون القصر بعد تنصيب ابنها ملكًا». ويُعرف أن الأمير، القريب جدًا من والدته، رفض الابتعاد عنها للالتحاق بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية في بن جرير.
وبشكل عاجل، تم بناء ملحقة للمؤسسة في الرباط. كما يُتداول أن الأمير لم يكن يرغب في الإقامة ببن جرير، لأنها مسقط رأس فؤاد عالي الهمة، المستشار الرئيسي للملك، الذي بذل، خلال السنوات الأخيرة، كل ما في وسعه للإبقاء على الأميرة في وضع صعب. غير أن الرياح قد تتغير قريبًا جدًا، وعندها لن يجد من ضايقوا للا سلمى مكانًا يختبئون فيه، إلا ربما خارج البلاد.
إن عودة الأميرة التي شعرت بالغبن ستعيد خلط الأوراق، وقد «تمتد موجة الصدمة إلى كل من ساهم في حملات التشويه التي نُظمت ضدها». وفي الرباط كما في الدار البيضاء، يُهمس بأن الملك المقبل «لن يتساهل مع مهندسي الحملة أو المتواطئين فيها».
و يؤكد مؤلفا الكتاب أن لا أحد يعرف ما الذي ستفعله الأميرة فعليًا، لكن المؤكد أن البلاد دخلت «منطقًا تاريخيًا، هو منطق إعادة تشكيل المحيط الملكي الذي يفرضه أي انتقال في الحكم». ومن المؤكد أيضًا أن للا سلمى لا تخفي ارتياحها إزاء هذا الارتباك في صفوف خصومها. ومن المرجح أن يكون الحديث واسعًا خلال الأشهر المقبلة عن هذه العودة إلى أعلى هرم المملكة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية