آخر الأخبار

التحول الأخضر يعيد رسم مستقبل الصناعة التونسية في الأسواق الأوروبية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تدخل تونس تدريجيا مرحلة اقتصادية جديدة عنوانها “التنافسية الكربونية”، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة داخل الاتحاد الأوروبي الذي يتجه بخطى متسارعة نحو فرض معايير بيئية صارمة على الواردات الصناعية. وفي هذا السياق، لم يعد خفض الانبعاثات الكربونية في القطاع الصناعي مجرد خيار بيئي أو التزام أخلاقي، بل أصبح شرطا اقتصاديا واستراتيجيا للحفاظ على المواقع التصديرية للمؤسسات التونسية داخل أهم شريك تجاري للبلاد.

وتكتسي هذه المسألة أهمية استثنائية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يستوعب نحو 70% من الصادرات التونسية، فيما تمثل الصناعات المعملية أكثر من 80% من إجمالي الصادرات، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء والبنك المركزي التونسي. كما تبرز قطاعات مثل الصناعات الميكانيكية والكهربائية والنسيج ومكونات السيارات والأسمدة ضمن أكثر القطاعات عرضة للضغوط البيئية الأوروبية الجديدة.

ويأتي هذا التحول بالتوازي مع شروع الاتحاد الأوروبي في تنفيذ آلية تعديل الكربون على الحدود، التي تفرض بداية من 2026 رسوما كربونية تدريجية على المنتجات المستوردة ذات الانبعاثات المرتفعة، خاصة في قطاعات الإسمنت والحديد والألمنيوم والأسمدة والطاقة والهيدروجين وهو ما يضع المؤسسات الصناعية التونسية أمام تحدٍ مزدوج وهو الحفاظ على القدرة التنافسية من جهة، وتجنب ارتفاع كلفة النفاذ إلى السوق الأوروبية من جهة اخرى.

جهود للدفع نحو الانتقال الطاقي الصناعي

تسارع تونس في المقابل خطواتها لمواكبة هذا التحول العالمي، من خلال سياسات دعم الانتقال الطاقي وتحسين النجاعة الطاقية داخل النسيج الصناعي. وفي هذا الإطار، أكد المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، نافع البكاري، أن خفض الانبعاثات الكربونية في القطاع الصناعي أصبح ضرورة اقتصادية لضمان تنافسية المؤسسات التونسية المصدّرة نحو أوروبا.

ويبرز هنا الدور المحوري لصندوق الانتقال الطاقي الذي يوفر آليات تمويل وتحفيز غير مسبوقة للمؤسسات الصناعية، إذ يمنح تمويلات تصل إلى 70% للدراسات المتعلقة بالمحاسبة الكربونية، و50% لمشاريع النجاعة الطاقية والطاقات المتجددة. وتمثل هذه النسب إحدى أعلى نسب الدعم العمومي الموجهة للتحول البيئي في المنطقة المغاربية.

وتستند هذه المقاربة إلى خبرة تقنية تراكمت منذ تأسيس الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة سنة 1985، حيث واكبت آلاف المشاريع الصناعية في مجالات الاقتصاد في الطاقة والطاقة الشمسية واسترجاع الحرارة وتحسين مردودية التجهيزات الصناعية.

وتشير بيانات الوكالة إلى أن برامج النجاعة الطاقية مكنت خلال السنوات الأخيرة من الاقتصاد في استهلاك الطاقة بما يعادل مئات آلاف الأطنان المكافئة نفط، فضلا عن تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل ملموس. كما ساهمت مشاريع الطاقات المتجددة في تخفيض فاتورة الطاقة بالنسبة للمؤسسات الصناعية التي تواجه منذ سنوات ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز عالميا.

الصناعة التونسية تواجه اختبارا تنافسيا حاسما

تزداد أهمية التحول الصناعي منخفض الكربون بالنظر إلى هشاشة الوضع الطاقي في تونس ذلك ان البلاد تستورد أكثر من 50% من حاجياتها الطاقية، فيما تجاوز عجز الميزان الطاقي 10 مليارات دينار خلال السنوات الأخيرة حسب وزارة الصناعة والطاقة والمناجم. كما تواصل كلفة الطاقة الضغط على المؤسسات الصناعية في ظل تقلبات الأسواق العالمية.

في جانب اخر، يمنح الاستثمار في النجاعة الطاقية والطاقات المتجددة فرصة مضاعفة للصناعة التونسية تهم خفض الكلفة الإنتاجية، من ناحية وتعزيز النفاذ إلى الأسواق الأوروبية، من ناحية اخرى. وتفيد تقديرات دولية أن المؤسسات الصناعية التي تعتمد تقنيات إنتاج منخفضة الكربون يمكن أن تقلص استهلاك الطاقة بنسبة تتراوح بين 20 و30% في بعض الأنشطة الصناعية.

وتبرز هنا أهمية المحاسبة الكربونية التي تتحول تدريجيا إلى “جواز عبور” نحو الأسواق الأوروبية، حيث أصبحت الشركات الأوروبية الكبرى تطلب من مورديها بيانات دقيقة حول البصمة الكربونية للمنتجات وسلاسل التوريد. ويضع ذلك المؤسسات التونسية أمام ضرورة عاجلة لتطوير نظم القياس والتتبع البيئي واعتماد معايير الإنتاج النظيف.

الرهان على التمويل الأخضر

تفتح الديناميكية الحالية أيضا آفاقا جديدة أمام تونس لاستقطاب التمويلات والاستثمارات الخضراء الدولية، فقد ارتفعت عالميا قيمة الاستثمارات المرتبطة بالتحول الطاقي إلى أكثر من 1.7 تريليون دولار سنة 2025 وفق تقديرات دولية، بينما أصبحت المؤسسات المالية الأوروبية والدولية تربط بشكل متزايد التمويل بمعايير الاستدامة البيئية وخفض الانبعاثات.

وفي هذا السياق، يمكن للصناعة التونسية أن تستفيد من موقعها الجغرافي القريب من أوروبا ومن اتفاقيات الشراكة التجارية القائمة لتطوير نموذج صناعي أكثر استدامة وقدرة على الاندماج في سلاسل القيمة الأوروبية الجديدة، خاصة في الصناعات الكهربائية ومكونات السيارات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر. كما يعزز هذا التوجه صورة تونس كشريك صناعي قادر على مواكبة التحولات البيئية العالمية، وهو عنصر بات يحظى بثقل متزايد في قرارات المستثمرين الدوليين.

تؤكد المؤشرات الحالية أن معركة التنافسية لم تعد تُحسم فقط بسعر اليد العاملة أو الامتيازات الجبائية، ولكنها أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالقدرة على الإنتاج النظيف منخفض الانبعاثات. وفي هذا الصدد، تبدو السياسات التونسية الداعمة للانتقال الطاقي الصناعي خطوة استباقية لحماية الصادرات الوطنية وتعزيز تموقع البلاد داخل الاقتصاد الأخضر العالمي.

وبين ضغوط التشريعات الأوروبية وتسارع التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون، تجد الصناعة التونسية نفسها أمام فرصة تاريخية لإعادة هيكلة نموذجها الإنتاجي على أسس أكثر استدامة ونجاعة. وإذا نجحت المؤسسات الصناعية في استثمار آليات الدعم المتاحة وتسريع التحول الطاقي، فإن تونس قد تتحول خلال السنوات المقبلة من مجرد منصة صناعية تقليدية إلى قاعدة إنتاج متوسطية أكثر تنافسية في عصر الكربون المنخفض.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا