أعلنت وكالة الطيران والفضاء الأمريكية ( ناسا) في مؤتمرها الصحفي الذي عقدته صباح اليوم الاثنين 6 أبريل/نيسان عن تفاصيل تقنية وبصرية غير مسبوقة لمهمة " أرتميس 2″ المأهولة، حيث كشفت أن رواد الفضاء الأربعة سيشهدون أغرب ظاهرة كسوف شمسي في حياتهم، وستكون فريدة من نوعها، حيث ستقوم الأرض بحجب قرص الشمس تماما عن المركبة.
فعلى خلاف كسوف الشمس المعتاد الذي نشهده من الأرض حيث يقع القمر على استقامة واحدة بين كوكبنا وقرص الشمس حاجبا نورها، فإن الكسوف الذي سيشهده الرواد فريد من نوعه حيث ستحجب الأرضُ قرص الشمس عنهم.
هذا الحدث التاريخي، الذي سيحول الأرض بالنسبة للرواد إلى قرص مظلم محاط بحلقة نارية متوهجة، لن يكون مشهدا بصريا مذهلا فحسب، بل سيتم توثيقه وبثه بتقنيات الليزر بدقة "4 كيه" لأول مرة، ليكون الاختبار الأقصى لأنظمة الملاحة والاتصال قبل الانطلاق نحو المريخ.
وظاهرة "الكسوف" النادرة هذه التي سيشهدها الطاقم تعد أكثر اللحظات إثارة التي كشفت عنها إحاطة ناسا، لأنها بخلاف الكسوف الشمسي الذي يُرى عادة من الأرض، ستتحرك "الأرض" لتقطع مسار الضوء عن المركبة، وسيرى الرواد كوكبنا كقرص مظلم محاط بحلقة متوهجة رقيقة ناتجة عن انكسار الضوء عبر غلافنا الجوي، في مشهد يجمع كل لحظات الشروق والغروب على الأرض في كادر واحد.
وسيسمح هذا الظلام الدامس لرواد الفضاء بمراقبة "الهالة الشمسية" بوضوح فائق وتصويرها من زاوية علمية فريدة.
وأوضح المتحدثون في المؤتمر الصحفي أن الطاقم سيقترب من القمر وهو في طور "هلال متسع" بنسبة إضاءة تبلغ 21% فقط. وهذا الاختيار ليس عشوائيا، بل هو قرار علمي بحت؛ فالإضاءة الجانبية تبرز "خط الغبق" (الفصل بين الليل والنهار القمري)، مما يظهر ظلالا طويلة تكشف تفاصيل الفوهات والجبال بدقة ثلاثية الأبعاد لا يوفرها القمر وهو "بدر".
وعندما تعبر مركبة "أوريون" خلف القمر، سيختبر الرواد الأربعة، ريد وايزمان وفيكتور غلوفر وكريستينا كوخ وجيريمي هانسن، لحظة من العزلة المطلقة. ففي هذه المنطقة، يحجب جسم القمر الضخم موجات الراديو القادمة من الأرض، مما يؤدي إلى انقطاع كامل للاتصال.
في هذه الدقائق، يصبح الرواد هم البشر الوحيدون الخارجون عن نطاق الشبكة البشرية تماما، وهي فترة يخصصها الطاقم لتوثيق "الجانب البعيد" للقمر وتضاريسه التي لا تُرى أبدا من كوكبنا.
وفي الجزء المظلم، سيعتمد الرواد على "تألق الأرض" (الضوء المنعكس من كوكبنا) لالتقاط تفاصيل السطح في الليل القمري.
وردا على التساؤلات حول طبيعة العيش أثناء التصوير، أكد الخبراء أن الرواد لن يكونوا مقيدين ببدلات الفضاء الثقيلة داخل الكابينة، بل سيعملون بملابس مريحة، مستفيدين من نظام ضغط هواء طبيعي، وسينظرون إلى القمر عبر أربع نوافذ بانورامية حقيقية.
كما أن المركبة مزودة بأكثر من 16 كاميرا، وسيحمل الرواد كاميرات يدوية فائقة الدقة لتصوير "شروق الأرض" من وراء الأفق القمري.
لأول مرة في التاريخ، ستختبر المهمة نظام الاتصالات البصرية بالليزر. وستسمح هذه التقنية بنقل كميات هائلة من البيانات، مما يعني أن سكان الأرض قد يشاهدون لقطات فيديو حية وعالية الدقة "4 كيه" لما يراه الرواد خلف القمر، متجاوزين بذلك حدود الأنظمة الراديوية التقليدية التي كانت تكتفي بصور منخفضة الجودة وبطيئة في الماضي.
أخيرا، فإن "أرتميس-2" ليست مجرد جولة سياحية حول القمر، بل هي "بروفة" تقنية وبشرية لمهمات المريخ القادمة. فبينما يوثق الرواد جماليات الكسوف وتضاريس القمر، يختبر العلماء في الأسفل قدرة البشر والآلات على الصمود في بيئة لا ترحم.
إن الصور التي ستعود بها هذه الرحلة لن تكون مجرد وثائق علمية، بل ستكون مرآة نرى فيها مدى ضآلة كوكبنا وعظمة طموحنا البشري.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة