آخر الأخبار

شهادات أطفال غزة المحررين من سجون الاحتلال: تعذيب وصدمات

شارك

يواجه الأطفال الفلسطينيون المحررون من سجون الاحتلال معركة قاسية لاستعادة توازنهم النفسي، بعد رحلة أسر بدأت باختطافهم من حياتهم الطبيعية وانتهت بعودتهم إلى واقع مدمر في قطاع غزة. هؤلاء القاصرون، الذين نجت أجسادهم من الزنازين، عادوا بأرواح مثقلة بالاضطرابات، حيث يحاول بعضهم التأقلم داخل خيام النزوح أو البيوت المهدمة التي لم تعد توفر الأمان المنشود.

تشير المعطيات الحقوقية إلى تصاعد وتيرة استهداف الأطفال، حيث يعتقل الاحتلال حالياً نحو 350 طفلاً ضمن قائمة تضم أكثر من 9500 أسير فلسطيني. ومنذ أكتوبر 2023، سجلت المؤسسات استشهاد طفلين داخل السجون من أصل 89 أسيراً قضوا نتيجة الظروف اللاإنسانية والتعذيب الممنهج الذي يمارس بحق المعتقلين بمختلف فئاتهم العمرية.

يروي الفتى محمود أبو وردة، البالغ من العمر 16 عاماً، تفاصيل اعتقاله المباغت في يناير 2026 أثناء مرافقة قريبه للعلاج في مستشفى جنين بالضفة الغربية. تحولت لحظة احتساء مشروب ساخن في ساحة المستشفى إلى كابوس، حين حاصره الجنود وكبلوه، لتبدأ رحلة من الشتائم والتهديدات بمجرد معرفة أصوله التي تعود لمخيم جباليا شمال قطاع غزة.

عاش محمود تجربة العزلة في زنزانة ضيقة ضمت خمسة أسرى، حيث كان الصمت مفروضاً بقوة الترهيب، والبرد ينخر العظام وسط عتمة مطبقة. يصف الفتى تلك الساعات بأنها تجاوزت قدرة سنه الصغيرة على الاحتمال، حيث وضعته وجهاً لوجه أمام سياسات الإذلال المتعمد التي تتبعها إدارة السجون لكسر إرادة الأسرى القاصرين.

تصاعدت حدة الانتهاكات بحق محمود قبيل الإفراج عنه، حيث تعرض لجلسات تحقيق ماراثونية وضرب مبرح في غرف شديدة البرودة. هددته قوات الاحتلال بالإعدام لإرهابه، قبل أن يتم إلقاؤه عند معبر كرم أبو سالم في إبريل 2026، تحت وابل من التهديدات المباشرة بضرورة الاختفاء من الطريق خلال ثوانٍ معدودة، مما دفعه للركض مذعوراً نحو سيارات الإغاثة.

في مقلب آخر من المعاناة، يبرز اسم سعدي حسنين، ذو الـ 15 عاماً، الذي بدأت مأساته بمطاردة دموية في حي التفاح شرقي غزة. شهد سعدي استشهاد صديقه برصاص مسيرة إسرائيلية أمام عينيه قبل أن يتم اعتقاله، وهو جرح نفسي غائر لم تندمل آثاره رغم نيله الحرية في ديسمبر 2025، حيث لا يزال يعيش حالة من التشتت وعدم الاستقرار.

داخل سجن 'سدي تيمان' سيئ السمعة، واجه سعدي صنوفاً من الإهانة، حيث أجبر على خلع ملابسه بالكامل وتعرض لضرب مبرح من قبل مجندات في سنه تقريباً. يقول سعدي إن أكثر ما آلمه هو العجز عن رد الإساءة لكرامته، وهو ما ولد لديه خوفاً مزمناً من الاستقرار في مكان واحد، مفضلاً التنقل الدائم بين خيام أقاربه هرباً من ذكريات الملاحقة.

الزنزانة لا تخرج من الأسير بالسهولة التي يخرج بها هو منها؛ تبقى في خوفه من المكان وارتباك حديثه ومحاولاته لترميم ما انكسر من طفولته.

أما فارس أبو جبل، فقد غادر السجن في أكتوبر 2025 محملاً بأعباء نفسية ثقيلة، لكنه اختار مواجهتها بالعمل الشاق لإعالة أسرته النازحة. بدأ فارس مشروعاً يدوياً لصناعة الإسمنت داخل خيمته، محاولاً تحويل الاتفاقات التي عقدها مع رفاق الأسر إلى واقع ملموس يساعده على تجاوز اضطرابات ما بعد الصدمة التي خلفتها تجربة الاعتقال.

تؤكد مصادر حقوقية أن ما يعيشه هؤلاء الأطفال يمثل ملفاً شديد الخطورة، نظراً لغياب الحاضنات الاجتماعية ومراكز الدعم النفسي المتخصصة في قطاع غزة المحاصر. فالأطفال يخرجون من بيئة تعذيب ممنهجة ليجدوا أنفسهم في واقع يفتقر لأدنى مقومات الحياة، بما في ذلك المدارس التي دمرتها الحرب، مما يضاعف من صعوبة اندماجهم مجدداً.

أفادت مصادر من جمعية واعد للأسرى بأن الشهادات المستقاة من القاصرين تظهر نمطاً واضحاً من التعنيف الذي يستهدف تحطيم الشخصية الوطنية والنفسية للطفل الفلسطيني. وتشدد الجمعية على أن المؤسسات المحلية تقف عاجزة أمام حجم الدمار وشح الإمكانات، مما يترك العائلات وحدها في مواجهة ترميم أرواح أبنائها المنكسرة.

إن تجربة الأسر للقاصرين لا تنتهي بفتح أبواب السجون، بل تمتد لتصبح معركة يومية صامتة ضد الخوف والارتباك. يظهر هؤلاء الفتية في أحاديثهم تردداً واضحاً وصعوبة في الاستيعاب أحياناً، نتيجة الضغوط الهائلة التي تعرضوا لها، خاصة أولئك الذين واجهوا تهديدات مباشرة بالقتل أو شاهدوا رفاقهم يستشهدون أمام أعينهم.

تتداخل قصص محمود وسعدي وفارس لترسم صورة قاتمة لواقع الطفولة الفلسطينية تحت الاحتلال، حيث يتحول الحق في العلاج أو إحضار الطعام إلى تهمة تؤدي للزنازين. ورغم محاولاتهم الشاقة للعودة للحياة الطبيعية، تظل ذكريات القيود والتحقيق حاضرة في كل تفصيل يومي، مما يجعل من 'الحرية' مفهوماً منقوصاً في ظل استمرار العدوان.

تخوض العائلات الفلسطينية اليوم تحدياً مضاعفاً؛ فهي من جهة تسعى لتوفير لقمة العيش في ظل المجاعة والنزوح، ومن جهة أخرى تحاول احتواء أبنائها المحررين. إن احتضان محمود في تفاصيله اليومية، أو دعم فارس في مشروعه الصغير، هي محاولات فطرية لانتشال هؤلاء الأطفال من المصير الثقيل الذي أراد الاحتلال فرضه عليهم.

يبقى ملف الأسرى الأطفال شاهداً على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الطفل، حيث تستمر سلطات الاحتلال في استخدام الاعتقال كأداة للعقاب الجماعي. ومع غياب التدخل الدولي الفاعل، تظل حكايات هؤلاء الفتية صرخة في وجه ضمير عالمي يتجاهل أنين الصغار خلف القضبان وفي خيام النزوح.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا