يواصل الوجود المسيحي في قطاع غزة صموده الممتد لأكثر من ألفي عام، رغم قسوة الظروف الراهنة التي فرضتها الحرب المستمرة. وفي هذا العام، خرج المواطنون المسيحيون للبحث عن أبسط مظاهر العيد كبيض الفصح الملون لأطفالهم، إلا أن الأسواق خلت تماماً من السلع الأساسية، مما حول العيد إلى مناسبة للصلاة الصامتة بدلاً من الاحتفالات العائلية المعتادة.
فؤاد عياد، مدرب الطاقة الحيوية الذي هُجر من منزله في غرب غزة، يروي بمرارة كيف تحولت ذكريات تلوين البيض مع الجيران المسلمين إلى واقع من الشح والفقر. ويؤكد عياد أن اللحوم باتت باهظة الثمن وشحيحة، مما جعل الغداء العائلي المشترك ضرباً من الخيال في ظل الهجمات المتكررة التي طالت كنيسة العائلة المقدسة وأدت لاستشهاد عدد من أقاربه.
تشير الإحصائيات إلى أن المجتمع المسيحي في غزة، الذي كان صغيراً بطبعه، تضاءل عدده ليصل إلى أقل من ألف نسمة نتيجة القتل والتهجير القسري. هؤلاء السكان هم جزء من النسيج الفلسطيني الذي تعرض لحرب وصفتها منظمات حقوقية ولجان أممية بأنها حرب إبادة جماعية، حيث استهدفت الغارات الإسرائيلية المنازل والكنائس دون تمييز.
داخل الكنائس المتبقية، تحمل الصلوات هذا العام معاني أعمق تتجاوز الطقوس الدينية، إذ تتشبث العائلات بالأمل في البقاء وسط انعدام مقومات الحياة الأساسية. ويعاني من تبقى في مدينة غزة من نقص حاد في المياه والكهرباء والغذاء، وهي أزمات تفاقمت بسبب القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال على دخول المساعدات والسلع الأساسية.
إلياس الجلدة، الستيني النازح من حي تل الهوا، يمثل نموذجاً للصمود بعد تدمير منزله ولجوئه إلى الكنائس ثم إلى شقة مستأجرة في حي الصبرة. يرفض الجلدة النزوح إلى الجنوب، مؤثراً البقاء قرب كنيسته وإيمانه، رغم فقدانه للعديد من الأصدقاء والجيران الذين قضوا في الغارات الجوية التي استهدفت دور العبادة.
يتذكر الجلدة بحنين كيف كانت الكنائس والبيوت تمتلئ بالبهجة والكعك والمعمول والعيدية في سنوات ما قبل الحرب، وكيف كانت العائلات تتنقل بحرية بين غزة والضفة الغربية. أما اليوم، فقد اختفت الملاهي والحدائق، وبات الأطفال محرومين من أي مساحة للترفيه أو الفرح، في ظل أزمة كهرباء خانقة وارتفاع جنوني في أسعار الوقود.
من جانبها، تروي أمل المصري (74 عاماً) رحلة نزوحها المريرة التي شملت ثلاث محطات من حي الرمال إلى رفح ثم خان يونس، حيث قضت عامين كاملين دون أي مظاهر للعيد. وتصف أمل كيف غابت الكراسي عن قاعات الصلاة، واضطر المصلون للجلوس على الفرشات البسيطة، في مشهد يختصر حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها النازحون.
تؤكد المصري أنها بحثت في كافة أرجاء القطاع عن بيض لتقديمه للأطفال في العيد، لكن دون جدوى، مما يعكس حجم الحصار المطبق الذي لا يستثني حتى التقاليد الدينية البسيطة. وتضيف أن غياب التجمعات العائلية الكبيرة وتبادل الحلويات أفقد العيد روحه، وحوله إلى مجرد ذكرى حزينة لما كان عليه الحال في الماضي.
لا تتوقف المعاناة عند حدود نقص الغذاء، بل تمتد لتشمل الحرمان من ممارسة الشعائر الدينية في الأماكن المقدسة بالقدس المحتلة، حيث تمنع سلطات الاحتلال مسيحيي غزة من السفر منذ عامين. وتأتي هذه القيود في سياق تضييق شامل طال حتى كبار رجال الدين، مثلما حدث مع بطريرك القدس اللاتيني الذي واجه صعوبات في دخول كنيسة القيامة.
أفادت مصادر محلية بأن الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ عقود تضاعفت حدته بشكل غير مسبوق خلال الأشهر الأخيرة، مما أدى إلى شلل تام في كافة مناحي الحياة. وتتحكم سلطات الاحتلال بشكل كامل في حركة الأفراد والبضائع، مما يجعل من المستحيل على العائلات المسيحية ممارسة طقوسها الدينية والاجتماعية بحرية.
رغم إعلان وقف إطلاق النار في بعض الفترات، إلا أن الهجمات المتقطعة والخنق الاقتصادي لا يزالان سيدا الموقف، مما يدفع الكثير من الشباب المسيحيين للتفكير في الهجرة القسرية. ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى إفراغ قطاع غزة من مكونه المسيحي الأصيل الذي عاش فيه لقرون طويلة.
في كنيسة القديس بورفيريوس وكنيسة العائلة المقدسة، تتردد أصوات التراتيل الممزوجة بالدعاء من أجل السلام ووقف نزيف الدماء، حيث يرى المصلون أن بقاءهم في الأرض هو جزء من رسالتهم الإيمانية. ويعتبر هؤلاء أن استهداف الكنائس هو استهداف للهوية الفلسطينية الجامعة التي توحد المسلمين والمسيحيين في مواجهة الاحتلال.
يشير فؤاد عياد في ختام حديثه إلى أن المعاناة في غزة لا تفرق بين دين وآخر، فكل فلسطيني مستهدف من قبل آلة الحرب الإسرائيلية بغض النظر عن انتمائه السياسي أو العقائدي. ويرى أن فقدان بيضة ملونة واحدة قد يبدو أمراً بسيطاً للعالم، لكنه في غزة يمثل سرقة لآخر ذرات الفرح من قلوب الأطفال المحاصرين.
يبقى مسيحيو غزة اليوم في مواجهة تحدي البقاء والحفاظ على هويتهم في ظل ظروف هي الأصعب في تاريخهم الحديث، حيث يحيون أعيادهم بقلوب مثقلة بالفقد وعيون ترنو نحو القدس. ومع استمرار إغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة أمام المصلين، تتوحد المعاناة الفلسطينية في مشهد يجسد عمق المأساة التي يعيشها سكان القطاع.
المصدر:
القدس