كشفت رئيسة قسم التخطيط لمهمات استكشاف الفضاء في وكالة الطيران والفضاء الأمريكية ( ناسا)، نجود ميرانسي، كيف تقود مهمة الفضاء " أرتميس 2″ البشر إلى أبعد نقطة وصلها إنسان تاريخيا، مستخدمة جاذبية القمر كمحرك طبيعي، ضمن رحلة تمزج العلم بالدقة والتجربة الإنسانية العميقة.
في لحظة بدت أقرب إلى مشهد من رواية علمية، ظهرت ميرانسي، المهندسة الأمريكية من أصول فلسطينية، لتكشف، بصوت هادئ وواثق، كيف تتحول أعقد قوانين الفيزياء إلى أدوات بيد الإنسان. ولم يكن حديثها مجرد عرض تقني، بل كان رحلة فكرية داخل عقل المهمة، حيث تلتقي الدقة الهندسية مع طموح إنساني لا يعرف الحدود.
تقف ميرانسي في قلب برنامج "أرتميس" بوصفها المهندسة التي ترسم الطريق قبل أن يسلكه الرواد. فهي رئيسة مكتب تخطيط المهمات الاستكشافية، والمسؤولة عن تصميم المسار الذي ستتبعه مركبة "أوريون"، منذ لحظة مغادرتها الأرض حتى عودتها.
تصف المهندسة ميرانسي عملها بأنه "تنسيق رقصة دقيقة بين الزمن والجاذبية"، حيث لا مجال للخطأ، وكل ثانية محسوبة بدقة متناهية. وفي حديثها، بدت واضحة الفخر حين قالت: "نحن لا نرسم خطا في الفضاء، نحن نصمم تجربة بشرية كاملة، حيث يجب أن تعمل الفيزياء لصالح الإنسان، لا ضده."
وتوضح ميرانسي أن هذه الرحلة ليست مجرد عودة إلى القمر، بل هي تجاوز لكل ما تحقق سابقا. فالمركبة ستصل إلى أكثر من 406 ألف كيلومتر عن الأرض، متخطية الرقم القياسي الذي صمد منذ مهمة "أبولو 13". والسبب، كما تشرح، يعود إلى تزامن عاملين حاسمين: وجود القمر في "الأوج"، أي أبعد نقطة في مداره، واختيار مسار "التحليق الحر" الذي لا يقتضي الهبوط.
وتقول ميرانسي: "حين لا تهبط، فإنك تتحرر من قيود المدار المنخفض، وتسمح للفيزياء بأن تأخذك أبعد مما كان ممكنا في الماضي." وبهذا المعنى، فإن "أرتميس 2" ليست فقط رحلة إلى القمر، بل رحلة إلى حدود جديدة من الفهم المداري.
ومن أكثر اللحظات شاعرية في حديث ميرانسي كانت حين تحدثت عن توقيت الغداء. فقد تم اختيار أبعد نقطة عن الأرض -وهي أيضا الأكثر استقرارا مداريا- لتكون وقت راحة الطاقم. ففي تلك اللحظة، لا توجد مناورات، ولا ضغوط تشغيلية، بل فقط صمت الفضاء واتساعه.
تقول ميرانسي: "أردنا أن تكون تلك اللحظة، التي يكون فيها الإنسان أبعد ما يكون عن موطنه، لحظة هدوء وتأمل، لا لحظة عمل وضغط، فهناك، سيجلس الرواد أمام النوافذ، يتناولون طعامهم بينما تبدو الأرض كنجمة زرقاء بعيدة، في تجربة تتجاوز العلم لتلامس الوعي الإنساني ذاته".
في قلب هذه المهمة يكمن مفهوم "مسار العودة الحرة"، الذي وصفته ميرانسي بأنه "أعظم ضمان للأمان في الرحلة". فبدلا من الاعتماد الكامل على المحركات، ستستخدم "أوريون" جاذبية القمر كقوة دفع طبيعية.
وتشرح ذلك بقولها: "يمسك القمر بالمركبة، ويديرها خلفه، ثم يمنحها الدفعة الصحيحة نحو الأرض.. إننا لا نقاوم الجاذبية، نحن نستخدمها". وهذا الأسلوب لا يوفر الوقود فحسب، بل يضمن عودة المركبة حتى في حال تعطل الأنظمة، مما يجعل القمر شريكا فعليا في الرحلة، لا مجرد محطة عبور.
لكن هذه العودة ليست بلا مخاطر. فكما توضح ميرانسي، فإن النجاح يعتمد على دخول الغلاف الجوي بزاوية دقيقة للغاية. فإذا كانت الزاوية حادة، قد تحترق المركبة، وإذا كانت منفرجة أكثر من اللازم، فقد ترتد إلى الفضاء.
لذا تقول ميرانسي محذرة: "تمنحنا الفيزياء السرعة، لكن مسؤوليتنا هي توجيهها بدقة متناهية." وهنا يظهر الدور الحاسم للتخطيط المسبق والتصحيحات المستمرة، التي تضمن بقاء المركبة داخل "ممر الأمان" الضيق.
في وصفها لدور مركز التحكم، استخدمت ميرانسي تعبيرا لافتا: "الطيار الخامس". فبينما يوجد أربعة رواد داخل "أوريون"، هناك مئات المهندسين على الأرض يراقبون كل تفصيلة. وهؤلاء لا يكتفون بالمراقبة، بل يتنبأون بالمشكلات قبل وقوعها، ويجرون محاكاة فورية لأي خلل محتمل.
تشرح ميرانسي ذلك بقولها: "نحن نرى ما لا يراه الطاقم، وهم يشعرون بما لا نشعر به، والنجاح يعتمد على هذه الشراكة الكاملة، حتى إن هناك نسخة مطابقة من المركبة على الأرض، تُستخدم لاختبار الحلول قبل إرسالها إلى الفضاء".
مصدر الصورة
تكشف ميرانسي أن أحد أكبر المفاهيم الخاطئة هو الاعتقاد بأن المركبات تسير في مسار ثابت. الحقيقة أن "أوريون" تجري سلسلة مستمرة من التصحيحات الصغيرة. هذه التعديلات، رغم صغرها، تمنع تراكم الأخطاء الذي قد يؤدي إلى انحراف خطير. وتقول: "نحن لا ننتظر الخطأ الكبير، بل نصحح المسار باستمرار حتى لا يحدث أصلا". إنها فلسفة تقوم على الاستباق، لا الاستجابة.
ورغم كل التقدم التكنولوجي، تؤكد ميرانسي أن للإنسان دورا لا يمكن استبداله. فقد تم تدريب الرواد على قراءة تضاريس القمر بعين جيولوجية دقيقة، قادرة على تمييز ما تعجز عنه الأجهزة. وتشير إلى أهمية رصد "البحر الشرقي"، قائلة: "بعض التفاصيل لا تُقاس بالأجهزة.. بل تُرى وتُفهم بالعين البشرية." وهنا يتحول الرائد من مجرد مشغل معدات إلى مستكشف حقيقي.
وعند مرور المركبة خلف القمر، ينقطع الاتصال مع الأرض، ليجد الطاقم نفسه وحيدا تماما في الفضاء. تصف ميرانسي هذه اللحظة بقولها: "تلك هي اللحظة التي يكون فيها الإنسان وحده مع الكون.. دون أي وسيط"،
وفي هذا الصمت، لا يبقى سوى المشهد؛ فوهات لم تُرَ من قبل، وظلال تمتد عبر سطح لا يعرفه سوى القليل.
بعد مغادرة القمر، تبدأ المركبة رحلة العودة، متسارعة بفعل جاذبية الأرض حتى تبلغ سرعات هائلة. وهذه المرحلة، رغم خطورتها، تمثل ذروة التناغم بين الحسابات الدقيقة وقوى الطبيعة.
وتختتم ميرانسي هذا المشهد بعبارة تختصر الفلسفة كلها: "القمر يودعنا.. والأرض تعيدنا.. نحن فقط نضمن أن تتم هذه الرحلة كما ينبغي."
في النهاية، لا تبدو "أرتميس-2" مجرد مهمة فضائية، بل تجربة تعيد تعريف علاقة الإنسان بالكون. فبدلا من مقاومة قوانين الطبيعة، يتعلم البشر كيف ينسجمون معها. فكما تقول ميرانسي: "نحن لا نقود المركبة وحدنا.. نحن نبحر في تيارات الجاذبية الكونية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة