يبرز مصطلح 'لبننة العراق' كإطار تحليلي لفهم التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد منذ عام 2003، حيث تسعى قوى معينة لفرض نموذج المحاصصة الطائفية وتعدد مراكز القوى. هذا المسار أدى بمرور الوقت إلى إضعاف الدولة المركزية وتهشيم القرار السيادي، مما جعل الساحة العراقية عرضة للتدخلات الخارجية المستمرة.
وعلى الرغم من التشابه الظاهري، إلا أن الفوارق بين المشهدين العراقي واللبناني بدأت تتسع بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بالموقف الرسمي من السلاح. فبينما منحت حكومة محمد شياع السوداني في بغداد غطاءً رسمياً للحشد الشعبي للرد على الضربات الخارجية، يتمسك الجانب اللبناني بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة.
الموقف العراقي الرسمي الذي تجلى في قرارات شهر آذار/ مارس 2026، يعكس دعماً صريحاً للفصائل المسلحة، وهو ما يتناقض مع تصريحات القيادة اللبنانية التي شددت على رفض خوض حروب الآخرين. هذا التباين يضع العراق أمام مخاطر جدية، من أبرزها احتمالية فرض عقوبات دولية قاسية قد تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد والمواطن.
ميدانياً، يتضح تغول الحشد الشعبي في مختلف مدن العراق ومؤسساته، باستثناء إقليم كردستان، وهو نفوذ يتجاوز ما يمتلكه حزب الله في لبنان حالياً. هذا التغلغل مكن الفصائل من التأثير المباشر على القرارات الأمنية والسياسية، بل والتمرد على التوجهات الحكومية في بعض الأحيان عبر منصات التواصل الاجتماعي.
دبلوماسياً، تظهر الفجوة في التعامل مع الانتهاكات السيادية؛ فبينما اكتفت بغداد بتقديم مذكرات احتجاج للسفير الإيراني والقائم بالأعمال الأمريكي، اتخذت بيروت موقفاً أكثر حزماً. فقد أمهلت الدولة اللبنانية السفير الإيراني أياماً للمغادرة، في خطوة تعكس محاولة استعادة الهيبة الدبلوماسية رغم ضغوط القوى الحليفة لطهران.
وتشير تقارير إلى أن الفصائل العراقية لم تعد تكتفي بالعمل السياسي، بل انخرطت في عمليات استهداف لمواقع دبلوماسية وأمنية داخل البلاد بشكل علني. هذا السلوك يختلف عن نهج حزب الله الذي يحاول غالباً تجنب الإقرار المباشر باستهداف مؤسسات الدولة اللبنانية، حفاظاً على توازنات داخلية معينة.
سياسياً، يتشارك الطرفان في استخدام استراتيجية 'الثلث المعطل' داخل البرلمان لعرقلة القرارات التي لا تخدم مصالحهما، مما يؤدي إلى شلل سياسي مزمن. هذه الاستراتيجية جعلت من تشكيل الحكومات أو اتخاذ قرارات سيادية كبرى عملية معقدة تخضع لمساومات القوى المسلحة قبل القوى السياسية المدنية.
التهديدات التي وجهها قادة الفصائل للحكومة في أواخر آذار/ مارس الماضي، كشفت عن رغبة واضحة في فرض إرادتهم على اختيار القيادات التنفيذية. ورغم تلاشي تلك الدعوات لاحقاً، إلا أنها اعتبرت بمثابة 'بالون اختبار' لقياس مدى قدرة الحكومة على الصمود أمام الضغوط الميدانية والسياسية المتصاعدة.
في المقابل، يبدو أن اتفاق حكومة السوداني مع التحالف الدولي لمواجهة المليشيات قد يفتح جبهة مواجهة جديدة وخطيرة داخل العراق. هذا الاتفاق، الذي يتزامن مع إعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة، قد يدفع الفصائل لتصنيف الحكومة في خانة 'الخيانة'، مما ينذر بانقلاب مرعب في المعادلات الداخلية.
لقد تحول العراق إلى ساحة حرب مفتوحة تتداخل فيها ضربات الفصائل المسلحة مع الهجمات الإيرانية والإسرائيلية والأمريكية، وحتى تدخلات من دول عربية مجاورة. هذا التعدد في أطراف الصراع جعل الحكومة في موقف العاجز عن حماية الأجواء العراقية أو تأمين القوات المسلحة الرسمية من الاستهداف المتكرر.
القلق الإقليمي من الحالة العراقية تجلى في البيان المشترك لدول الخليج والأردن، الذي طالب بغداد باتخاذ إجراءات فورية لوقف الهجمات المنطلقة من أراضيها. كما اتهمت عمان مليشيات موالية لإيران باستخدام الأراضي العراقية كمنصة لتهديد أمن الجيران، مما يزيد من عزلة العراق العربية والدولية.
على الصعيد الحقوقي، تبرز حوادث الاختطاف، مثل حالة الصحفية الأمريكية شيلي كيتلسون، كدليل على غياب سلطة القانون وقدرة المليشيات على ممارسة الابتزاز السياسي. هذه الجرائم تضع القضاء العراقي في مأزق قانوني وأخلاقي، خاصة عند التعامل مع المنفذين الذين ينتمون لجهات مشاركة في السلطة.
ختاماً، يمكن القول إن العراق قد تجاوز مرحلة 'اللبننة' التقليدية نحو حالة أكثر تعقيداً من الهشاشة المركزية والتلاعب بالسيادة بمباركة رسمية أحياناً. إن غياب القيادة الصارمة والنقية في التعامل مع الخارجين عن القانون يظل هو التحدي الأكبر الذي يمنع العراق من استعادة عافيته كدولة ذات سيادة كاملة.
المصدر:
القدس