شهدت الساعات الأخيرة تصعيداً إسرائيلياً غير مسبوق في العمق اللبناني، حيث استهدفت طائرات الاحتلال شقة سكنية في منطقة الحازمية التابعة لقضاء بعبدا. وتكتسب هذه الغارة حساسية أمنية وسياسية بالغة نظراً لقرب الموقع المستهدف من القصر الجمهوري اللبناني، حيث لا تبعد المنطقة سوى عشر دقائق عن مقر الرئاسة.
وأفادت وزارة الصحة اللبنانية في بيان مقتضب بسقوط شهيد جراء هذه الغارة التي استهدفت البناية السكنية، فيما ادعت مصادر تابعة لجيش الاحتلال أن العملية كانت تستهدف قيادياً في فيلق القدس الإيراني كان متواجداً في المنطقة، وهو ما يندرج ضمن سياسة الاغتيالات الممنهجة التي يتبعها الاحتلال.
وفي سياق متصل، واصلت آلة الحرب الإسرائيلية استهداف البنى التحتية في الجنوب، حيث دمرت الغارات جسر الدلافة الذي يعد شريان حياة رئيسياً يربط منطقتي حاصبيا ومرجعيون بالبقاع الغربي ومنطقة الشوف. وبرر جيش الاحتلال هذا التدمير بسعيه لمنع وصول التعزيزات العسكرية والوسائل القتالية إلى مناطق المواجهة.
ولم يتوقف استهداف المعابر المائية عند هذا الحد، إذ قصفت الطائرات فجراً جسر القعقعية الاستراتيجي الواقع فوق نهر الليطاني. وبذلك يرتفع عدد الجسور المدمرة فوق النهر إلى ثلاثة من أصل خمسة جسور رئيسية، في خطوة تهدف بوضوح إلى عزل القرى الجنوبية وتقطيع أوصال الجغرافيا اللبنانية.
ميدانياً، أعلنت مصادر طبية لبنانية أن حصيلة الغارات الإسرائيلية خلال يوم الإثنين وحده بلغت 10 شهداء ونحو 90 جريحاً في مناطق متفرقة. ومع استمرار هذا النزيف، ارتفع العدد الإجمالي للضحايا منذ مطلع مارس الجاري إلى 1039 شهيداً وأكثر من 2800 جريح، وسط وضع إنساني متدهور.
وعلى صعيد القوات الدولية، أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) عن تعرض أحد مباني مقرها العام في بلدة الناقورة لإصابة مباشرة بمقذوف. ودعت المنظمة الدولية كافة الأطراف إلى احترام القوانين الدولية وضمان سلامة جنود حفظ السلام، مؤكدة أن الحلول العسكرية لن تجلب الاستقرار للمنطقة.
في المقابل، ردت قوى المقاومة بسلسلة من العمليات النوعية، حيث أعلن حزب الله عن تنفيذ أكثر من 15 هجوماً باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة الانقضاضية. واستهدفت هذه الهجمات تجمعات لجنود الاحتلال وآليات عسكرية في المستوطنات الشمالية والمواقع الحدودية، محققة إصابات مباشرة في صفوف القوات الإسرائيلية.
وأقرت مصادر عبرية بإصابة مستوطن بجروح إثر سقوط قذيفة صاروخية في مستوطنة كريات شمونة، التي تعرضت للقصف أربع مرات متتالية خلال اليوم. كما رصدت وسائل إعلام إسرائيلية سقوط صواريخ في أربعة مواقع مختلفة بالمدينة، طال أحدها حافلة ركاب، مما تسبب بأضرار مادية جسيمة وحالة من الذعر.
وفي الجانب العسكري للاحتلال، كشفت تقارير صحفية عن إصابة خمسة جنود إسرائيليين في مواجهات برية وحوادث أمنية منفصلة وقعت جنوبي لبنان مساء الأحد. وتأتي هذه الاعترافات في ظل رقابة عسكرية مشددة يفرضها الاحتلال على خسائره البشرية والمادية في المعارك الدائرة عند الحافة الأمامية.
سياسياً، أطلق وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تصريحات وصفت بأنها الأكثر خطورة منذ بدء التصعيد، حيث دعا صراحة إلى تغيير الحدود الدولية لإسرائيل. واعتبر سموتريتش أن الحرب يجب أن تنتهي بفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على مناطق واسعة في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني.
وشبه الوزير المتطرف المخطط الإسرائيلي في لبنان بما يجري في قطاع غزة، مشيراً إلى ضرورة السيطرة على الأراضي اللبنانية كما يسيطر الاحتلال حالياً على أكثر من نصف مساحة غزة. وتعكس هذه التصريحات نوايا توسعية تتجاوز الأهداف المعلنة للعملية العسكرية المتمثلة في إبعاد مقاتلي حزب الله عن الحدود.
وتسببت هذه التصريحات في موجة من القلق الدولي والمحلي، كونها تشرعن احتلالاً طويل الأمد للأراضي اللبنانية وتنسف أي جهود دبلوماسية لوقف إطلاق النار. ويرى مراقبون أن الاحتلال يسعى لفرض واقع جغرافي جديد عبر تدمير القرى والجسور وتحويل المنطقة الحدودية إلى منطقة عازلة غير مأهولة.
داخلياً في إسرائيل، أصدر جيش الاحتلال تعليمات مشددة لسكان المستوطنات الشمالية بضرورة البقاء قرب الملاجئ والغرف المحصنة حتى إشعار آخر. وتتوقع القيادة الشمالية للاحتلال استمرار الرشقات الصاروخية المكثفة من لبنان رداً على استهداف المدنيين والبنى التحتية اللبنانية، خاصة مع وصول القصف لمحيط بعبدا.
وتستمر المواجهات على طول الخط الأزرق وفي العمق اللبناني وسط غياب أي أفق للحل السياسي القريب، في حين تواصل مصادر ميدانية التحذير من اتساع رقعة الاستهدافات الإسرائيلية لتشمل مراكز حيوية وسيادية في العاصمة بيروت وضواحيها، مما ينذر بانزلاق المنطقة نحو حرب شاملة.
المصدر:
القدس