آخر الأخبار

عيد الفطر في غزة: صلاة على الركام وغياب لطقوس الفرح

شارك

مع بزوغ خيوط الفجر الأولى لأول عيد فطر يمر على قطاع غزة في ظل حرب الإبادة المستمرة، استيقظت أم محمود القططي لتوقظ أبناءها الأربعة في خيمتهم بمواصي خان يونس. لم تكن هناك مآذن تصدح بالتكبير كما جرت العادة، بل همهمات خافتة تتسلل بين الخيام المتلاصقة، في مشهد يفتقر لكل مظاهر الاحتفال التي عرفتها العائلة سابقاً في منزلها بجباليا.

سارت العائلة بخطوات حذرة فوق أرض لا تزال تئن تحت وطأة القصف، متوجهة نحو بقايا مسجد تحول إلى كومة من الركام. هناك، اصطف النازحون في ساحات ترابية غير ممهدة، يفترشون قطعاً من القماش المهترئ لأداء الصلاة، في محاولة جماعية لترميم معنى العيد الذي شوهته آلة الحرب الإسرائيلية.

تقول أم محمود بصوت يملؤه الانكسار إن العيد في السابق كان يبدأ بالملابس الجديدة والضحكات في شوارع جباليا، أما اليوم فالصلاة تتم فوق الحجارة المكسورة وبقايا الجدران. رفعت يديها بالتكبير لكن غصة غياب زوجها، الذي سافر للعلاج قبل ثلاث سنوات ولم يعد، كانت حاضرة بقوة في وجدانها ووجدان أطفالها.

بعد انتهاء الصلاة، عادت الأسرة إلى الخيمة لتواجه واقعاً غذائياً مريراً، حيث غابت رائحة 'الفسيخ' و'الرنجة' التي كانت تميز صباحات العيد في غزة. وبسبب الحصار وشح الإمدادات وارتفاع الأسعار الجنوني، لم تستطع الأم توفير هذه الأطباق التقليدية، واكتفت بتقديم القليل من الخبز اليابس وما توفر من معلبات بسيطة.

تصف الأم مشهد الفطور قائلة إن الخلافات السابقة بين الأطفال على حجم قطع الرنجة تحولت اليوم إلى تساؤلات حول كيفية تقسيم القليل من الطعام المتاح. ورغم محاولات الابنة الكبرى بث الأمل بكلمات بسيطة مثل 'المهم أننا معاً'، إلا أن الفراغ الذي تركه البيت والجيران المفقودون كان أكبر من أي مواساة.

أما 'العيدية'، تلك اللحظة المركزية في ذاكرة أطفال غزة، فقد غابت هي الأخرى هذا العام نتيجة أزمة السيولة الحادة واختفاء العملات المعدنية من التداول. كانت الجدات والخالات يجهزن النقود بعناية في السنوات الماضية، لكن اليوم أصبحت حتى العملات الورقية نادرة ولا تكفي لشراء أبسط الاحتياجات الأساسية.

سألت الطفلة الصغرى والدتها بخجل عن نصيبها من العيدية، فكان الرد وعداً مؤجلاً بـ 'التعويض لاحقاً'، وهو وعد يشبه الكثير من الوعود المعلقة في غزة. وفي حين لجأ بعض النازحين في خيام مجاورة لاستخدام التطبيقات الإلكترونية لتحويل مبالغ رمزية، ظلت عائلة أم محمود بعيدة عن هذه الحلول التقنية المحدودة.

العيد ليس فقط ما نملكه، بل ما نشعر به؛ نحاول أن نُبقي شيئاً من المعنى حياً رغم الصلاة على الركام.

مع اقتراب الظهيرة، بدت حركة الناس بين الخيام خجولة ومقتضبة، حيث اختصرت الزيارات العائلية إلى دقائق معدودة بسبب الواقع المعقد. أم محمود التي تنتمي لعائلة كبيرة في جباليا، فقدت معظم إخوتها وأخواتها في الغارات الجوية، ومن نجا منهم تشتت في مراكز نزوح بعيدة يصعب الوصول إليها.

أصبحت تكلفة المواصلات عبئاً لا يطاق يفوق قدرة النازحين، مما جعل صلة الأرحام تقتصر على رسائل نصية عبر الهواتف المحمولة. وصفت الأم هذه الحالة بأنها خريطة ممزقة، حيث لم يعد من الممكن وصل الأقارب ببعضهم البعض كما كان يحدث في الماضي حين كانت السيارات تجوب المخيمات.

في لحظة هدوء أمام الخيمة، استرجعت أم محمود تفاصيل حياتها السابقة في جباليا، حيث كانت الجدران تحفظ الخصوصية والأبواب تغلق على الذكريات. قارنت بين بيتها الصغير الذي كان يمنحها الأمان، وبين الخيمة المؤقتة التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، حيث كل شيء مكشوف ومعرض للخطر في أي لحظة.

الأطفال بدورهم لم يتوقفوا عن الحديث عن ألعابهم التي تركوها تحت الأنقاض وملابس العيد التي لم يشتروها هذا العام بسبب إغلاق المعابر. تحولت الرغبات الطفولية البسيطة إلى أحلام بعيدة المنال في ظل واقع يفرض فيه الغلاء الفاحش قيوداً على كل تفاصيل الحياة اليومية للنازحين.

مع حلول المساء، أضاءت الأسرة مصباحاً صغيراً داخل الخيمة، لترتسم ظلالهم على القماش في لوحة تحكي قصة صمود صامتة ضد المحو. حاولت الأم استحضار روح العيد عبر حكايات عن الأيام الخوالي، وعن الزيارات والضحكات التي كانت تبدو عادية وبسيطة قبل اندلاع الحرب.

أكدت أم محمود لأطفالها في ختام يومهم أن العيد يكمن في الشعور بالبقاء والتمسك بالأمل، وليس فقط في المقتنيات المادية التي فقدوها. كانت تحاول إقناع نفسها قبلهم بأن هذا اليوم، رغم قسوته، يحمل قيمة معنوية تستحق الحفاظ عليها وسط ركام الموت والدمار.

انتهى اليوم الأول من العيد في مواصي خان يونس كما بدأ؛ مزيجاً من الحنين والوجع ومحاولات النجاة النفسية. وبينما كانت الخيام المجاورة تعيش قصصاً مشابهة، يبقى إصرار الغزيين على إحياء هذه المناسبة، ولو بالحد الأدنى، رسالة تحدٍ واضحة لسياسات الإبادة والتهجير.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا