آخر الأخبار

وفاة المؤرخ وليد الخالدي: مسيرة مؤسس الدراسات الفلسطينية

شارك

غيب الموت المؤرخ الفلسطيني البارز وليد الخالدي، الذي وافته المنية عن عمر ناهز القرن، مخلفاً وراءه إرثاً معرفياً هائلاً جعله يوصف بـ 'الأب الشرعي' للتاريخ الفلسطيني المعاصر. ولد الخالدي في القدس عام 1925 لعائلة علمية عريقة، حيث كان والده أحمد سامح الخالدي أحد أعمدة التعليم في فلسطين الانتدابية وعميد الكلية العربية الشهيرة.

تلقى الراحل تعليمه العالي في أرقى الجامعات العالمية، فنال الماجستير من جامعة أوكسفورد عام 1951، وبدأ مسيرته الأكاديمية مدرساً في معهد الدراسات الشرقية بها. إلا أن مواقفه الوطنية كانت تسبق طموحه الأكاديمي، حيث استقال من منصبه في أوكسفورد عام 1956 احتجاجاً على المشاركة البريطانية في العدوان الثلاثي على مصر.

يُعد الخالدي المؤسس الحقيقي لمدرسة التاريخ الفلسطيني التي واجهت الرواية الصهيونية بأدوات علمية صارمة وحرفية بالغة. فقد نشر دراسات رائدة عن سقوط مدينة حيفا و'خطة دالت' العسكرية الصهيونية، وذلك قبل عقود من ظهور ما عرف بـ 'المؤرخين الجدد' في إسرائيل الذين أكدوا لاحقاً صحة استنتاجاته.

في عام 1963، قاد الخالدي جهود تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، لتكون أول مركز بحثي متخصص في الشأن الفلسطيني على مستوى العالم. وقد نجحت المؤسسة تحت إشرافه في التحول إلى قلعة فكرية عالمية، حيث امتد نشاطها إلى واشنطن وباريس، وأصدرت دوريات مرجعية باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

لم يكتفِ الخالدي بالبحث الأكاديمي الصرف، بل عمل على استعادة وجود الإنسان والمكان الفلسطيني في التاريخ عبر أعمال موسوعية مثل 'قبل الشتات'. كما وثق في كتابه المرجعي 'كي لا ننسى' القرى الفلسطينية التي دمرها الاحتلال عام 1948، مخلداً أسماء شهدائها وتفاصيل جغرافيتها المسلوبة.

آمن الخالدي بأن الصراع على فلسطين هو في جوهره صراع على المشرق العربي بأكمله، وهو ما انعكس في كتاباته التي تناولت الحرب الأهلية اللبنانية وأزمة الخليج. وكان يرى أن غياب 'البوصلة الأخلاقية' والمركز العربي الموحد بعد رحيل جمال عبد الناصر أدى إلى تشرذم المنطقة وتصاعد النزاعات الطائفية.

في قراءته للواقع العربي، حذر الخالدي من تآكل الدولة الوطنية وتراجع القومية العربية العلمانية لصالح انقسامات إثنية وطائفية مدمرة. وأشار في طروحاته المتأخرة إلى أن الفشل في بناء مؤسسات فدرالية أو وحدوية متينة كان أحد أسباب انهيار المشاريع العربية الكبرى في القرن العشرين.

التاريخ يصنعه المؤرخ؛ وقد أصبح وليد الخالدي أحد كبار صنّاع تاريخ تلك اللحظة التحولية في تاريخ الفلسطينيين والعرب: سنة 1948.

على الصعيد السياسي، قدم الخالدي في أواخر الثمانينيات رؤية استراتيجية دعت إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 كحل وحيد ممكن لتحقيق السلام. ورغم تبني المنظمة لهذه الرؤية لاحقاً، إلا أن الخالدي ظل مدركاً لتعقيدات الواقع التي قد تقود إلى صراع مفتوح لا نهاية قريبة له في ظل التعنت الإسرائيلي.

تميز منهج الخالدي بالجمع بين الصرامة البحثية الغربية والانتماء الوطني العميق، مما منحه مصداقية واسعة في المحافل الأكاديمية الدولية مثل هارفارد وبرينستون. وقد استطاع عبر عقود من التدريس والبحث أن ينقل الرواية الفلسطينية من حيز العاطفة إلى حيز الحقائق التاريخية الموثقة التي لا تقبل الجدل.

يرى المؤرخون أن الخالدي لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل كان صانعاً للتاريخ من خلال إعادة صياغة الوعي بالنكبة الفلسطينية. فقد حول '1948' من مجرد ذكرى للهزيمة إلى ملف قانوني وتاريخي متكامل يثبت عمليات التطهير العرقي الممنهج التي مارستها العصابات الصهيونية ضد المدنيين.

لقد شكلت مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي رعاها الخالدي نموذجاً فريداً للمؤسساتية العربية الناجحة التي صمدت أمام التقلبات السياسية والحروب. وظلت المجلة التي تصدرها المؤسسة المرجع الأول للباحثين حول العالم، مما يعكس رؤية الخالدي في مأسسة العمل الثقافي والبحثي الفلسطيني.

في سنواته الأخيرة، ظل الخالدي مراقباً دقيقاً للتحولات العربية، معبراً عن قلقه من صعود الإسلام السياسي وتراجع الفكر العروبي الإصلاحي. وكان يرى أن الخلاص للشعوب العربية وللفلسطينيين يكمن في استعادة الرابطة العربية كبديل وحيد وفعال لمواجهة تحديات العصر والاحتلال.

ترك وليد الخالدي خلفه جيلاً كاملاً من المؤرخين الفلسطينيين الذين تلمذوا على كتبه ومنهجه، حتى وإن لم يلتقوا به شخصياً. وتظل أعماله مثل 'التاريخ المصور للشعب الفلسطيني' شهادة حية على حضارة شعب حاول الاحتلال محوه من الخارطة ومن الذاكرة الإنسانية.

رحيل وليد الخالدي يمثل خسارة فادحة للفكر العربي، لكن إرثه سيظل منارة لكل الباحثين عن الحقيقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. لقد أثبت الخالدي عبر قرن من الزمان أن القلم والوثيقة هما سلاحان لا يقلان أهمية عن أي وسيلة نضال أخرى في معركة البقاء والحرية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا