آخر الأخبار

السياسة السعودية الجديدة: كبح نفوذ إسرائيل والإمارات والانفت

شارك

تشهد المنطقة العربية تحولات دراماتيكية في موازين القوى، حيث بدأت ملامح رؤية سعودية جديدة تتشكل في خضم الحرب المدمرة على قطاع غزة. تسعى هذه الرؤية إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية عبر كبح الطموحات الإسرائيلية والإماراتية، وتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة مع إيران، مما يعكس تحولاً يتجاوز الحسابات التقليدية لعمليات التطبيع.

برزت هذه التوجهات بوضوح من خلال السماح للأكاديمي السعودي الدكتور أحمد التويجري بنشر تحليل لاذع ينتقد فيه سياسات دولة الإمارات العربية المتحدة. وصف التويجري حكام أبوظبي بأنهم ألقوا بأنفسهم في أحضان الصهيونية، محذراً من تحولهم إلى 'حصان طروادة' لمشروع إسرائيل الكبرى في المنطقة، وهو خطاب غير مسبوق في الإعلام المقرب من السلطة.

أثار المقال ردود فعل دولية واسعة، حيث تعرض لضغوط من تل أبيب وواشنطن أدت لسحبه مؤقتاً قبل أن تصدر أوامر عليا بإعادة نشره. هذا الإجراء يعكس وجود قرار سياسي سعودي بتبني خطاب أكثر صرامة تجاه الحلفاء السابقين الذين يُنظر إليهم الآن كمنافسين أو مهددين للمصالح الوطنية العليا للمملكة.

يرى مراقبون أن الصدع بين الرياض وأبوظبي لم يعد مجرد خلاف عابر بين القادة، بل تحول إلى صدام استراتيجي عميق. فالرياض تشعر بضيق متزايد من محاولات الإمارات التوسع في اليمن والسودان وأرض الصومال، وهي تحركات تعتبرها السعودية تقويضاً لاستقرار المنطقة وتهديداً لمكانتها القيادية.

فيما يخص الملف الفلسطيني، يسود شعور بالمهانة داخل أروقة القرار السعودي جراء الممارسات الإسرائيلية في غزة. المملكة التي قدمت مبادرات سلام تاريخية تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام، تجد اليوم أن العقلية الحاكمة في إسرائيل ترفض أي تعاون حقيقي، مما دفع الرياض لتغيير لهجتها الدبلوماسية بشكل جذري.

تؤكد المصادر أن حجم 'الإبادة الجماعية' في غزة جعل من المستحيل على المملكة، بصفتها قلب العالم الإسلامي أن تقف موقف المتفرج. هذا التحول أدى إلى تجميد مسارات كانت تبدو سالكة سابقاً، ووضع شروطاً أكثر تعقيداً أمام أي تقارب مستقبلي مع الاحتلال الإسرائيلي، مع التركيز على الحقوق الفلسطينية الأساسية.

على الصعيد الإقليمي الأوسع، تتبنى السعودية استراتيجية تهدف إلى تفتيت مشاريع الهيمنة الإسرائيلية التي تسعى لتقسيم الدول العربية إلى كانتونات عرقية وطائفية. الرياض تدرك أن المخططات التي تستهدف سوريا ولبنان تهدف في النهاية إلى جعل إسرائيل القوة العسكرية الوحيدة المهيمنة، وهو ما ترفضه القيادة السعودية جملة وتفصيلاً.

ما وقع من حجم الشر والإبادة الجماعية أقنع المملكة بأنه من المحال أن يتحقق السلام بوجود هذه العقلية التي تحكم إسرائيل.

في المقابل، حافظت المملكة على سياسة الانفراج مع إيران رغم الضغوط الأمريكية المستمرة. الرياض ترى أن استقرار المنطقة يمر عبر الحوار وليس المواجهة العسكرية التي قد تكون نتائجها كارثية على الجميع، خاصة في ظل امتلاك طهران لأوراق ضغط قوية وتدميرية في حال تعرضها لتهديد وجودي.

بذلت الدبلوماسية السعودية جهوداً مكثفة لإقناع الإدارة الأمريكية بمنح المفاوضات فرصة بعيداً عن لغة التهديد العسكري. وتؤكد التحليلات أن المملكة ألقت بكامل ثقلها لمنع أي هجوم قد يستهدف المنشآت الإيرانية، خوفاً من ردود فعل قد تشمل إغلاق مضيق هرمز أو استهداف القواعد الدولية في المنطقة.

هذا الموقف السعودي المتوازن أثار حفيظة بعض الدوائر في واشنطن، حيث هاجم السيناتور ليندسي غراهام التوجهات السعودية الأخيرة. غراهام اعتبر أن الموقف السعودي يعزز من قوة إيران في الصراع الحالي، مطالباً الرياض بالعودة إلى الاصطفاف التقليدي الذي يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

رغم هذه الضغوط، يبدو أن الرياض ماضية في تنويع تحالفاتها، حيث لوحظ تقارب متزايد مع تركيا وتنسيق أعمق في الملفات الإقليمية. هذا التوجه يعكس رغبة سعودية في بناء كتلة إقليمية قادرة على موازنة النفوذ الإسرائيلي المدعوم غربياً، وحماية المصالح الاقتصادية والسياسية للمملكة.

التنافس الاقتصادي بين السعودية والإمارات يلعب دوراً محورياً في هذا التحول، حيث تسعى الرياض لجذب الاستثمارات العالمية لتكون المركز الاقتصادي الأول في المنطقة. هذا الطموح اصطدم برغبة أبوظبي في الحفاظ على تفوقها التجاري، مما أدى إلى نشوء فجوة اتسعت مع مرور الوقت لتشمل الملفات السياسية والأمنية.

المصادر تشير إلى أن السعودية لم تعد تقبل بدور 'الحي الصغير' الذي تحاول بعض القوى الإقليمية تصويرها به، بل تستعيد دورها كدولة محورية تقود القرار العربي. هذا الاستقلال في القرار السياسي يزعج القوى التي اعتادت على تبعية دول المنطقة للمشاريع الغربية دون قيد أو شرط.

في الختام، تظل الرؤية السعودية الجديدة رهينة التطورات الميدانية في غزة والانتخابات الأمريكية المقبلة. إلا أن الثابت الوحيد هو أن الرياض قررت التوقف عن تقديم التنازلات المجانية، والبدء في فرض شروطها كقوة إقليمية كبرى لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات مستقبلية للشرق الأوسط.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا