كشف تحقيق استقصائي حديث عن تفاصيل صادمة تتعلق باستخدام جيش الاحتلال الإسرائيلي لذخائر حرارية وثرموبارية متطورة، أدت إلى محو الآثار الجسدية لآلاف الفلسطينيين في قطاع غزة. وأكدت المعطيات الميدانية أن هذه الأسلحة، التي يحمل بعضها منشأً أمريكياً، قادرة على توليد طاقة حرارية هائلة تتجاوز 3500 درجة مئوية، مما ينهي الوجود المادي للأجسام البشرية في محيط الانفجار.
ووثقت طواقم الدفاع المدني في قطاع غزة اختفاء نحو 2842 فلسطينياً بشكل كامل منذ بدء حرب الإبادة في أكتوبر 2023، حيث لم تعثر الفرق الإغاثية على جثامينهم رغم البحث المكثف. وأوضحت المصادر أن المواقع المستهدفة لم تترك وراءها سوى آثار بيولوجية متناثرة، مثل رذاذ الدماء على الجدران المتفحمة أو شظايا متناهية الصغر من الأنسجة البشرية التي لا يمكن دفنها.
وفي شهادة مؤلمة، روت المواطنة ياسمين مهني رحلة بحثها المضنية عن ابنها سعد عقب استهداف مدرسة التابعين بمدينة غزة في أغسطس الماضي. وقالت إنها دخلت المصلى المستهدف لتجد نفسها تدوس على بقايا لحم ودماء دون العثور على جسد كامل، مؤكدة أنها لم تجد شيئاً لدفنه رغم قضائها أياماً طويلة في تفقد ثلاجات الموتى والمستشفيات.
من جانبه، أكد المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل أن الأرقام المعلنة ليست مجرد تقديرات إعلامية، بل هي نتاج عملية توثيق ميداني دقيقة تعتمد على 'طريقة الاستبعاد'. وتقوم هذه الآلية على مقارنة عدد الأشخاص الذين كانوا يتواجدون داخل المبنى المستهدف قبل القصف بعدد الجثامين التي يتم انتشالها فعلياً من تحت الأنقاض.
وأشار بصل إلى أن الحالات التي يتم تصنيفها ضمن 'المتبخرين' هي تلك التي لا تترك وراءها سوى بقايا مجهرية مثل فروة رأس أو رذاذ دماء، بعد استنفاد كافة محاولات البحث عن جثامين كاملة. وتعكس هذه الظاهرة الوحشية المفرطة في استخدام القوة التدميرية ضد التجمعات السكنية ومراكز الإيواء المكتظة بالنازحين.
ويعزو الخبراء العسكريون هذه الظاهرة إلى الاستخدام المنهجي للقنابل الفراغية أو الهوائية، التي تخلق كرة نارية ضخمة وتفريغاً هائلاً للضغط يدمر الخلايا الحية فوراً. وتضاف مساحيق كيميائية مثل الألمنيوم والمغنيسيوم إلى هذه القنابل لإطالة أمد الاحتراق ورفع درجة الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة تذيب المعادن وتبيد المادة الحية.
وفي السياق الطبي، أوضح الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة أن جسم الإنسان الذي يتكون بنسبة 80% من الماء لا يمكنه الصمود أمام هذه الحرارة. وأضاف أن تعرض الأنسجة لدرجة حرارة تفوق 3000 مئوية يؤدي إلى غليان السوائل الحيوية فوراً وتحول الأنسجة الرخوة والعظام إلى رماد بفعل الأكسدة والضغط الشديدين.
وسلط التحقيق الضوء على أنواع محددة من القنابل الأمريكية التي زودت بها واشنطن الاحتلال، ومن أبرزها قنبلة MK-84 المعروفة باسم 'المطرقة'. وتزن هذه القنبلة نحو 900 كيلوغرام، وهي محشوة بخليط 'تريتونال' المتفجر الذي يضمن وصول الحرارة إلى مستويات كفيلة بصهر الأجسام البشرية وتحويلها إلى هباء.
كما برز اسم القنبلة الخارقة للتحصينات BLU-109، التي استخدمت في الهجوم على منطقة المواصي بخانيونس رغم تصنيفها 'منطقة آمنة'. وقد أسفر ذلك الهجوم عن اختفاء 22 شخصاً بشكل كامل، حيث تسببت القوة الانفجارية والحرارية في محو وجودهم المادي من سجلات الأحياء والأموات على حد سواء.
وتطرق التحقيق أيضاً إلى قنبلة GBU-39 الانزلاقية الدقيقة، التي صممت لقتل الأفراد داخل المباني مع الحفاظ على الهيكل الخارجي للمنشأة قائماً. وتعمل هذه القنبلة عبر موجة ضغط تمزق الرئتين وموجة حرارية تحرق الأنسجة الرخوة، وقد عثرت فرق الدفاع المدني على شظايا أجنحة هذا الطراز في مواقع شهدت اختفاءً كلياً للضحايا.
قانونياً، وصفت الأكاديمية ديانا بطو ما يحدث بأنه 'إبادة عالمية' تشترك فيها أطراف دولية عبر سلاسل التوريد العسكرية المستمرة. وأكدت أن تدفق هذه الأسلحة من الولايات المتحدة وأوروبا رغم العلم المسبق بعدم تمييزها بين المدنيين والمقاتلين يضع هذه الدول في دائرة المسؤولية القانونية والجنائية المباشرة.
وانتقد خبراء القانون الدولي فشل المنظومة العدلية في وقف هذه الجرائم رغم صدور قرارات من محكمة العدل الدولية ومذكرات توقيف من الجنائية الدولية. وأشار القانوني طارق شندب إلى أن الحصانة التي توفرها واشنطن للاحتلال عبر 'الفيتو' في مجلس الأمن تمنحه الضوء الأخضر لمواصلة استخدام هذه الأسلحة المحرمة.
وبحسب الإحصائيات، فقد قتل أكثر من 600 فلسطيني منذ صدور مذكرات التوقيف الدولية الأخيرة، مما يشير إلى استهتار الاحتلال بالمنظومة الدولية. ولا تقتصر الحرب على القصف الحراري فحسب، بل تمتد لتشمل الحصار والتجويع ومنع دخول الأدوية، وهي ممارسات تصنف كجرائم ضد الإنسانية تهدف لإبادة السكان.
وفي ختام التوثيق، تبرز مأساة المواطن رفيق بدران الذي فقد أربعة من أطفاله في مخيم البريج، حيث لم يجد من أجسادهم سوى قطع صغيرة لا تكاد تذكر. وتساءل بدران بحرقة عن مصير أطفاله الذين 'تبخروا' تماماً، في صورة تلخص حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها الأسلحة الحرارية في قطاع غزة المنكوب.
المصدر:
القدس