آخر الأخبار

“عيبٌ أُحبّه”.. سرد تأملي يغوص في المناطق المنسية داخل الروح

شارك

في تجربة سردية أولى لافتة، تخوض الكاتبة المصرية هبة حافظ هجرس عالم الرواية عبر عملها "عيبٌ أُحبّه" الصادر عن دار "الآن ناشرون وموزعون"، والمشارك ضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب 2026 خلال الفترة من 14 إلى 23 مايو/أيار الجاري، بالتزامن مع حفل توقيع للرواية تنظمه الدار على هامش المعرض.

من 7 أيام إلى رواية تُكتب بالعمر

وفي حديثها للجزيرة نت تقول هبة إن شرارة الكتابة انطلقت في مايو/أيار 2025، لتنتهي الرحلة سريعا نسبيا بصدور الرواية في أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، لكنها تؤكد أن زمن الكتابة الفعلي "لم يكن بالأشهر، بل بالعمر كله".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 جاءت لتغيّر الشرق فغيّرها للأبد.. رواية "الإرسالية" تتبع رحلة ممرضة أمريكية في العالم العربي
* list 2 of 2 "اللاروب" لحسن أوريد.. مرافعة روائية عن الربع الناقص في قصة نهضتنا end of list

تقول "هذه الرواية لم تُكتب في خمسة أشهر فقط، بل خرجت من تراكم طويل من المشاهدة والصمت والتجربة، من أشياء رأيتها وسكتُّ عنها، ومن مشاعر لم تجد طريقها للكلام".

فالرواية، بحسب تعبيرها، وُلدت من "قصة حقيقية كنتُ شاهدة على أدق تفاصيلها". تنطلق الحكاية من علاقة عابرة لم تتجاوز سبعة أيام، تنتهي بغياب مفاجئ، كما يحدث في كثير من حكايات عصرنا السريع. غير أن ما شغل الكاتبة ليس غرابة الحدث ولا قسوته، بل أثره الوجداني العميق، تقول "ما جذبني لم يكن الحدث، بل ما دار خلفه، تلك المساحة الصامتة داخل المرأة، حيث تُدفن الخيبات باسم الرقي، ويُعاد ترتيب الألم ليبدو مقبولا اجتماعيا".

"أنا لا أكتب عن بطلة مثالية، بل عن إنسانة تخطئ وتشعر وتنكسر، ثم تعيد تشكيل نفسها. وهذا في رأيي هو جوهر الحكاية الإنسانية"

فقررت هبة أن تكون "صدى صوت البطلة" وامتدادا لكل صوت مكتوم لا يجد شجاعة البوح، وأن تحول موقفا يبدو عابرا ومألوفا إلى حكاية تُروى وتُعاد قراءتها من زاوية أخرى. تقول "أنا لا أكتب عن بطلة مثالية، بل عن إنسانة تخطئ وتشعر وتنكسر، ثم تعيد تشكيل نفسها. وهذا في رأيي هو جوهر الحكاية الإنسانية".

مصدر الصورة الكاتبة المصرية هبة حافظ هجرس (الجزيرة)

كيف يمكن أن يُحَب "العيب"؟

العنوان نفسه يختصر هذه الرؤية ويعيد تعريفها. "عيبٌ أُحبّه" لا يأتي صدمة لغوية بقدر ما هو دعوة للتأمل، تقول هبة "أنا لا أمجّد العيب ولم أقصده لذاته، بل لما يكشفه فينا. خلف كل نقص درس وخلف كل وجع باب إلى الوعي. المحبة هنا ليست تبريرا، بل فهم. هي ذلك النور الذي يخرج من نقص أدركناه، لا من وهم أحببناه".

إعلان

بهذا المعنى، لا تدين الرواية الخطأ ولا تبرّره، بل تضعه في سياقه الإنساني بوصفه لحظة ضرورية في طريق النضج لنعود أكثر صدقا وسلاما.

السرد التأملي.. صدى الصوت الداخلي

اختارت هبة الكتابة بأسلوب سرد تأملي ولغة رمزية، خيارا لم يأت بحثا عن غرابة شكلية، بل استجابة لطبيعة الحكاية ذاتها. فالرواية تخاطب الوجدان قبل العقل وتحاول النفاذ إلى عمق الروح، لا الاكتفاء بتتبع مسار الأحداث.

"هذه الحكاية لا تُروى من الخارج، هي صوت داخلي، حديث طويل مع النفس. اللغة هنا ليست للشرح، بل للغوص"

تقول "هذه الحكاية لا تُروى من الخارج، هي صوت داخلي، حديث طويل مع النفس. اللغة هنا ليست للشرح، بل للغوص".

لهذا يأتي السرد أقرب إلى بوح ممتد تتجاور فيه الحكاية مع التأمل والواقع مع الرمز، في محاولة للإمساك بـ"حقيقة الشعور" لا بـ"تفاصيل الحكاية" فقط. فالقارئ لا يتتبع فقط ماذا حدث للبطلة، بل يجد نفسه -تدريجيا- يتتبع ما يحدث بداخله هو. هكذا، يتحول النص من مجرد حكاية تُروى إلى تجربة تُعاش، حيث يقود السرد التأملي القارئ إلى عمق الشعور بدل الاكتفاء بسطح الحدث.

أين تقف هبة من بطلتها؟

منذ ظهور الرواية، كان سؤال السيرة الذاتية حاضرا: هل "عيبٌ أُحبّه" هي حكاية البطلة فقط أم حكاية الكاتبة أيضا؟ تقدم هبة إجابة متوازنة، تُبقي المسافة بين الكاتبة والنص دون أن تنكر الجذور.

تضيف للجزيرة نت "في الرواية جزء من تجاربي، نعم، لكنني لست البطلة. وضعت نفسي مكانها لأنني لا أخجل من الخيبات ولا أرى في التجربة ما يجب إخفاؤه. لكن البطلة أوسع من ذلك، هي مزيج من مشاعر وتجارب كثيرة، هي كل امرأة شعرت، وانكسرت، ثم حاولت أن تفهم". وتضيف أن ربط البعض بينها وبين البطلة أمر مفهوم، "لكن ما يعنيني حقا هو الأثر. أن يجد القارئ نفسه، لا أن يفتّش عني داخل الحكاية".

مشهد الأم.. اللحظة التي بدأت منها الكتابة

لكن ربما أكثر ما يكشف روح الرواية، هو لحظة ميلادها الحقيقية. لحظة لم تكن في مواجهة بطلة، ولا في ذروة حدث، بل في مشهد أمومي خالص.

تحكي هبة أنها في إحدى الليالي كانت تتأمل وجه ابنها الصغير وهو نائم، تُصغي إلى ملامحه أكثر مما تنظر إليها، وفجأة خطر لها سؤال بسيط حدّ الرعب:

"هل يمكن لهذا الطفل -بكل هذا النقاء- أن يكبر يوما ويكسر قلب فتاة وهو يظن أن الأمر بسيط، فقط لأن لا أحد أخبره حقا كيف يبدو هذا الوجع من الداخل؟!".

تصف هذه اللحظة بأنها كانت نقطة تحول "الفكرة أفزعتني، ومن هنا بدأت الحكاية".

من هنا، تأخذ الرواية بُعدا مضاعفا، فهي ليست فقط صوت امرأة تستعيد خيبتها بوعي جديد، بل تحولت إلى ما يشبه "وثيقة شعور" تكتبها أُم، لا لامرأة فقط، بل أيضا لرجل في طور التشكّل، ربما لابنها، وربما لكل رجل سيقرأ يوما، لعلها تساعدهم على إدراك ثقل الكلمة ووزن الوعد وعمق ما قد يبدو في الظاهر "تفصيلا بسيطا" في حياة شخص آخر.

من الحكاية إلى الأثر

هذا البعد الإنساني العميق هو ما منح الرواية، بحسب آراء عدد من قرّائها، قدرتها على لمس مناطق حساسة داخل النفس، ودفع البعض للبكاء دون أن يُسألوا عن السبب.

ورغم ذلك، تُبقي هبة تعريفها للنجاح واضحا وبسيطا إلى حد مُربك مهما تعددت القراءات، تقول "إذا استطاعت كلماتي أن تُحدث فرقا حقيقيا، ولو في حياة شخص واحد، فهذا يكفيني".

إعلان

بهذا الطرح، تقدم هبة حافظ هجرس رواية أُولى لا تسعى إلى الإدهاش بقدر ما تسعى إلى الاقتراب من الإنسان، من ضعفه، ومن تلك اللحظة التي يبدأ فيها الفهم. وهنا تحديدا لا يكون "العيب" نهاية الحكاية، بل بدايتها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار