آخر الأخبار

النكبة الفلسطينية والعدوان على لبنان: مقاربة في خيارات المقا

شارك

تحل الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة الفلسطينية في وقت تعيش فيه المنطقة تحولات دراماتيكية تعيد رسم ملامح الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ عام 1948، حين أُعلن عن قيام الكيان الصهيوني وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، لم يتوقف المشروع التوسعي عن محاولات تثبيت أركانه عبر القوة العسكرية والدعم الدولي اللامحدود.

اليوم، يرى مراقبون أن ما يشهده لبنان يمثل امتداداً لتلك النكبة، حيث تشن إسرائيل حرباً واسعة تهدف إلى تدمير البنى التحتية وتهجير السكان. هذه الحرب لا تنفصل عن السياق الإقليمي، خاصة في ظل الضغوط الممارسة على القوى الداعمة للمقاومة في المنطقة، وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ثمة نقاط تقاطع جوهرية بين نكبة فلسطين الأولى وما يجري في لبنان اليوم، أبرزها عمليات الاقتلاع الممنهج من الأرض. ففي حين هُجر الفلسطينيون إلى دول الجوار والشتات، يواجه نحو مليون ونصف مليون لبناني نزوحاً داخلياً قسرياً من الجنوب والضاحية الجنوبية نحو مناطق أكثر أمناً.

وعلى الرغم من التدخلات العربية في عام 1948 التي انتهت بهزيمة عسكرية، يجد الشعب اللبناني نفسه اليوم في مواجهة العدوان بظهير إقليمي محدود. وتقتصر المواقف العربية والإسلامية الراهنة في معظمها على الجوانب الإنسانية والدبلوماسية، دون تدخل عسكري مباشر يغير موازين القوى على الأرض.

تختلف المقاومة اللبنانية الحالية عن المقاومة الفلسطينية في بدايات النكبة من حيث امتلاك الخبرة العسكرية والقدرات الصاروخية النوعية. وقد نجحت هذه القدرات في إيقاع خسائر ملموسة في صفوف جيش الاحتلال، رغم عدم قدرتها على منع التدمير الواسع للقرى الحدودية التي باتت غير صالحة للسكن.

إن مشهد التهجير في لبنان يثير تساؤلات حول ديمومة هذا النزوح والحلول المتوقعة في ظل استمرار العمليات العسكرية. فالمناطق الجنوبية تعرضت لمسح شبه كامل في بعض القرى، مما يجعل العودة السريعة أمراً معقداً حتى في حال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

في المقابل، أثبتت التجربة التاريخية منذ اتفاق أوسلو أن خيارات التفاوض لم تقد إلى نتائج ملموسة لصالح الشعب الفلسطيني. بل على العكس، استغل الاحتلال سنوات التفاوض لتعزيز الاستيطان وتهويد القدس، مما أدى في النهاية إلى انهيار هذا المسار بشكل شبه كامل.

خيار المقاومة، رغم ما واجهه من تحديات كبرى لا سيما منذ طوفان الأقصى، لا يزال هو الخيار الأقوى لمواجهة المشروع الصهيوني.

ويبقى خيار المقاومة، رغم التضحيات الجسيمة والتحديات التي فرضتها أحداث 'طوفان الأقصى'، هو المسار الذي يفرض نفسه على الساحة. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة للأدوات والآليات، خاصة في ظل الانقسام الداخلي وغياب الرؤية الوطنية الموحدة.

وعلى الصعيد اللبناني، تبرز تعقيدات التفاوض في ظل مطالب إسرائيلية توصف بالتعجيزية، مثل نزع سلاح المقاومة بالقوة. هذه المطالب تصطدم برفض شعبي وسياسي واسع، كونها تمس بالسيادة الوطنية وتهدف إلى إقامة مناطق عازلة منزوعة السكان على الحدود.

إن المراجعة المطلوبة لمشروع المواجهة تقتضي منع تكرار أخطاء الماضي والاتفاق على استراتيجية وطنية شاملة. ويجب أن تستند هذه الرؤية إلى تشكيل تكتل عربي وإسلامي واسع يتجاوز البيانات الاستنكارية نحو خطوات عملية تضع حداً للتوسع الصهيوني.

ورغم قسوة المشهد في غزة والضفة وجنوب لبنان، إلا أن أفق الصراع لا يبدو مغلقاً أمام الشعوب المقاومة. فالتوحش الإسرائيلي الحالي يعكس وصول المشروع إلى ذروة أزمته، مما يفتح الباب أمام متغيرات إقليمية ودولية قد تغير وجه المنطقة.

إن إعادة صياغة مشروع المقاومة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التكنولوجية والعسكرية والسياسية المتسارعة. فالاستفادة من أخطاء الماضي ليست خياراً بل ضرورة لضمان استمرارية المواجهة على أسس صلبة قادرة على تحقيق التحرير والعودة.

وفي الختام، تبقى ذكرى النكبة محطة لاستنهاض الهمم وتأكيد الحقوق التاريخية التي لا تسقط بالتقادم. فالحرب الدائرة اليوم في لبنان وفلسطين هي معركة وجودية تتطلب تكاتفاً غير مسبوق لمواجهة التحديات المصيرية التي تهدد مستقبل المنطقة بأسرها.

إن الصمود الأسطوري للشعبين الفلسطيني واللبناني يمثل حجر الزاوية في إفشال المخططات الرامية لتصفية القضية. ومع استمرار المفاوضات والضغوط الدولية، يبقى الميدان هو الحكم الفصل في تحديد ملامح المرحلة المقبلة من الصراع العربي الإسرائيلي.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا