ملكة قازان وبرجها الغامض.. قصة سيومبيكي بين الحقيقة والأسطورة
ارتبط اسم سيومبيكي ببرج كرملين قازان وبحكاية نهايتها المأساوية، لكن البرج شُيّد على الأرجح بعد وفاتها بنحو قرن.. فكيف نشأت الأسطورة؟
تروي الرواية الشعبية أن إيفان الرهيب أراد الزواج من سيومبيكي، فاشترطت عليه، قبل أن توافق، أن يبني لها برجا من سبعة طوابق خلال سبعة أيام، ظنا منها أن الشرط تعجيزي. لكن إيفان نفّذ ما طلبته، وحين اكتمل البرج صعدت إليه سيومبيكي وألقت بنفسها منه، مفضلة الموت على الزواج به.
تبدو قصة سيومبيكي اليوم كأنها حكاية مكتملة العناصر: ملكة شابة، مدينة محاصرة، عدو منتصر، وزواج قسري، ثم نهاية مأساوية من أعلى برج يحمل اسمها. غير أن التاريخ الموثق أكثر تعقيدا، بينما جاءت بعض أشهر تفاصيل قصتها من الأدب والذاكرة الشعبية في عصور لاحقة.
وللوقوف على الفاصل بين سيرة الملكة والأسطورة التي نسجت حولها، تحدثت صحيفة "كازانسكيه فيدوموستي" إلى راديك ساليخوف، مدير معهد ش. مرجاني للتاريخ في أكاديمية العلوم في تتارستان.
أسطورة صنعتها الأدبيات الروسية
يرى ساليخوف أن أسطورة سيومبيكي ظاهرة معقدة تشكلت على مدى قرون، ومن المفارقات أن القسم الأكبر من الصورة الرومانسية التي ارتبطت بها اليوم وصل من الثقافة والأدب الروسيين.
ففي أحد الأعمال التاريخية والأدبية التي تعود إلى القرن السادس عشر، ظهرت سيومبيكي في صورة امرأة مأساوية ترثي زوجها صفا غيراي، في مشهد رأى فيه ساليخوف أصداء من رثاء ياروسلافنا في "حكاية حملة إيغور".
وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أخذت شخصية سيومبيكي مساحة أكبر في الأدب الروسي. ومن الأعمال البارزة قصيدة "روسيادا" لميخائيل خيراسكوف، التي تناولت استيلاء إيفان الرهيب على قازان عام 1552.
وفي عام 1807 كتب سيرغي غلينكا مأساة "سومبيكا.. سقوط مملكة قازان"، التي عُرضت على المسرح. وبعد ذلك بسنوات، وصلت القصة إلى عالم الباليه أيضا، في عمل "سومبيكا.. فتح مملكة قازان"، الذي عُرض عام 1832.
وهكذا أصبحت سيومبيكي ليست شخصية تستعيدها الذاكرة التاريخية فحسب، بل أصبحت بطلة أدبية ومسرحية، ومع مرور الوقت تغيرت صورتها تبعا للحقبة التي أعادت رواية قصتها.
ففي الأدب الروسي خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ظهرت أحيانا في صورة حاكمة شديدة الدهاء والقسوة، بينما أخذت صورتها في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين منحى أكثر مأساوية: زوجة فقدت زوجها الذي أحبته، وامرأة أُجبرت على الزواج من رجل لا تريده، وأم انتُزع طفلها منها.
برج يحمل اسم الملكة بعد رحيلها بقرن
لعل أشهر عناصر أسطورة سيومبيكي هو البرج الذي يحمل اسمها في كرملين قازان. لكن وبحسب التأريخ الأثري والمعماري السائد، يرجح أن البرج شُيد في النصف الثاني من القرن السابع عشر أو في بداية القرن الثامن عشر، أي بعد أكثر من قرن على سقوط قازان في يد قوات إيفان الرهيب عام 1552.
ومع ذلك، فإن وجود منشآت أقدم في المنطقة يجعل تاريخ الموقع أكثر تعقيدا، ولذلك يُفضل الحديث عن أن البرج الحالي لم يكن قائما على الأرجح في زمن سيومبيكي، بدلا من الجزم بأن الموقع لم يشهد أي بناء سابق.
ويشير ساليخوف إلى أن البرج يقع بالقرب من المنطقة التي كانت تضم مدافن خانات قازان، ويرجح أن يكون زوج سيومبيكي صفا غيراي قد دُفن في هذا المجمع، ما ساعد على ربط البرج بالملكة نفسها في الذاكرة الشعبية اللاحقة.
كما أن صورة المرأة التي تفضل الموت على الوقوع في أسر العدو تتقاطع مع نماذج موجودة في تقاليد الحكاية الشعبية التترية، ما يجعل أسطورة سيومبيكي نقطة التقاء بين التاريخ والخيال الأدبي والذاكرة الشعبية.
مصدر الصورة
من كانت سيومبيكي؟
تنتمي سيومبيكي إلى واحدة من أبرز الأسر الحاكمة في المنطقة ويُرجح أنها ولدت نحو عام 1516 في سارايتشيك، عاصمة قبيلة نوغاي، الواقعة في أراضي كازاخستان الحالية. وكانت ابنة نوغاي بك يوسف، وتنحدر من نسل إديغي، أحد أبرز الشخصيات المؤسسة لسلالة حكام قبيلة نوغاي.
تزوجت سيومبيكي في شبابها خان قازان جان علي، لكن الزواج لم يكن سعيدا. وبعد الإطاحة بجان علي عام 1535، تزوجت خان قازان صفا غيراي، وأصبحت إحدى زوجاته، وأنجبت منه ابنهما أوتياميش غيراي.
وفي عام 1549 توفي صفا غيراي، فآلت السلطة إلى ابنه الذي كان لا يزال طفلا، وأصبحت سيومبيكي وصية عليه.
كانت تلك السنوات من أكثر مراحل خانية قازان اضطرابا. فقد واجهت الخانية ضغطا عسكريا وسياسيا متزايدا من موسكو، إلى جانب صراعات داخلية بين النخب والفصائل المتنافسة على السلطة.
وفي هذه الظروف، حاولت سيومبيكي إدارة شؤون الخانية والحفاظ على موقعها السياسي وسط شبكة معقدة من العلاقات مع موسكو وخانية القرم وقبيلة نوغاي والقوى الأخرى المحيطة بقازان.
ويصف ساليخوف سيومبيكي بأنها كانت حاكمة حاولت إدارة الدولة في مرحلة شديدة الصعوبة، ويرى أن بعض قراراتها السياسية يمكن فهمها في إطار سعيها إلى الحفاظ على الدولة ومصالحها في مواجهة الصراعات الداخلية والضغوط الخارجية.
من قازان إلى موسكو
لم تستمر محاولات الحفاظ على السلطة طويلا. ففي عام 1551، أُرسلت سيومبيكي مع ابنها أوتياميش غيراي إلى موسكو، قبل سقوط قازان النهائي في العام التالي. وكان انتقالها جزءا من التحولات السياسية التي شهدتها الخانية في تلك الفترة، بعدما تمكنت القوى الموالية لموسكو من تغيير موازين السلطة فيها.
وفي موسكو، اتخذت حياة سيومبيكي منعطفا جديدا. ولأسباب سياسية، زُوّجت من شاه علي، خان قاسيموف وشقيق زوجها الأول جان علي.
ويفسر ساليخوف قبولها بهذا الزواج بوصفه خطوة سياسية اتخذتها في ظروف بالغة التعقيد، ويرى فيها نوعا من التضحية من أجل مصالح الدولة التي كانت تحكمها. أما المصادر التاريخية الأخرى، فتقدم صورة أكثر تعقيدا للعلاقة، ولا تسمح بإعادة بناء دوافع سيومبيكي الشخصية على نحو يقيني.
السنوات الأخيرة في كاسيموف
بعد ذلك أُرسلت سيومبيكي إلى كاسيموف، المدينة الواقعة اليوم في منطقة ريازان. ولا تزال المعلومات المتاحة عن سنواتها الأخيرة محدودة، كما لا يُعرف على وجه الدقة تاريخ وفاتها أو مكان دفنها.
أما ابنها أوتياميش، فقد أُخذ إلى موسكو ونشأ في بلاط إيفان الرهيب. وعُمّد هناك باسم ألكسندر، وتوفي في سن مبكرة نسبيا.
من المرأة التاريخية إلى أسطورة المدينة
ربما تكمن قوة قصة سيومبيكي في أن التاريخ لم يقدم لها نهاية واضحة، فملأت الأدبيات والذاكرة الشعبية هذا الفراغ.
امرأة حكمت في مرحلة سياسية مضطربة، فقدت زوجها، وأصبحت وصية على طفل، ثم فقدت سلطتها وانتقلت إلى موسكو وانتهت حياتها في كاسيموف؛ كل ذلك تحول تدريجيا إلى قصة أكثر درامية: ملكة محاصرة، حبيب فقدته، عدو يطاردها، وزوج لا تحبه، ثم برج عالٍ تختار أن تهوي منه بدلا من أن تقع أسيرة.
لكن المفارقة الكبرى أن البرج الذي أصبح أشهر رمز لقصتها يرجح أنه ظهر بعد وفاتها بأكثر من قرن.
المصدر: كازانسكيه فيدوموستي