قيادات في "الكتاب" تدفع نحو المشاركة في "حكومة المنصوري" بشروط
ساندت مجموعةٌ من قيادات حزب التقدم والاشتراكية، خلال اجتماع الدورة الاستثنائية للجنة المركزية للحزب، اليوم الثلاثاء، خيار الدخول المشروط إلى الحكومة الجديدة، في وقت تخوض فيه فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، المشاورات المتعلقة بتشكيلها، عقب تعيينها من قبل الملك رئيسة للحكومة.
وتباينت مداخلات قيادات حزب “الكتاب” في اجتماعات المكتب السياسي السابقة بين من رأى في المشاركة الحكومية فرصة لتنفيذ البرنامج الذي أعده الحزب وخدمة المواطنين من داخل المؤسسات وبين من تمسّك بخيار المعارضة باعتباره امتدادا لتجربة السنوات الماضية، مع التأكيد على أن حسم الموقف النهائي يظل رهينا بعدد من الشروط؛ في مقدمتها طبيعة البرنامج الحكومي وتركيبته وموقع حزب علي يعتة داخل الأغلبية المقبلة.
وطلب محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، من اللجنة المركزية ذاتها عند تقديمه تقرير المكتب السياسي تفويض هذا الأخير “تدبير المرحلة المقبلة على أساس هذا الالتزام مع أعضاء اللجنة، القائم على استحضار مصلحة الوطن والشعب ومستلزمات صون وحدة وتماسك وقوة حزبنا”؛ وهو المقترح الذي دعمته مداخلات عديدة بشرط احترام الخطوط الحمراء المتعلقة بهيئة سياسية بعينها.
وقالت شرفات أفيلال، القيادية في حزب التقدم والاشتراكية، إن هيئتها السياسية توجد أمام خيارين أساسيين؛ يتمثل أولهما في المعارضة التي ترى أنها “قادرة على تقديمها بما ينسجم مع هويته وقيمه، من دون الذوبان في معارضة راديكالية أو شعبوية”، مؤكدة أن الأمر يتعلق بمعارضة لا تساهم في تقزيم الحزب أو في عدم إبراز المعارضة التقدمية بالشكل الذي يعمل الحزب على ترسيخه.
وأضافت أفيلال، التي أعلنت دعمها لطلب الأمين العام تفويض المكتب السياسي تدبير المرحلة المقبلة، أن “الخيار الثاني يتمثل في المشاركة في الحكومة وما يترتب عن ذلك من مسؤوليات والتزامات”، مشيرة إلى أن هناك عوامل عديدة محددة ستؤثر في اختيار الموقف النهائي للحزب.
وأوضحت المسؤولة الحكومية السابقة أن حزب “الكتاب” ظل دائما يترافع حول امتلاكه البديل القادر على إخراج الوطن والشعب من الأزمة الخانقة التي يعيشانها، معتبرة أن المغرب يعيش حاليا “سكتة قلبية ثانية” في مساره السياسي، تختلف عن تلك التي عرفها في تسعينيات القرن الماضي.
وقالت عضوة المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية وعضوة لجنته المركزية إن “الوضع الحالي يتميز بسيطرة الأوليغارشية على دوائر الحكم ومؤسسات الدولة، بما أدى إلى واقع أصبحت فيه مستويات القرار داخل المؤسسات التشريعية غير قادرة على تحقيق ما يطمح إليه الحزب”.
واعتبرت المتحدث عينها أن العامل المحدد الأول في موقف الحزب سيكون طبيعة الموقع الذي سيحتله داخل الحكومة، إلى جانب مضمون السياسات والبرنامج الحكومي الذي سيُعرض على المؤسسة التشريعية من أجل تنصيبه، مشددة على أن “هذا البرنامج ينبغي أن يقدم أجوبة فورية وواضحة عن الاختلالات الكبرى والفضائح وتضارب المصالح والتضييق على الاقتصاد؛ وهي القضايا التي عاشتها البلاد خلال السنوات الخمس الماضية”.
وأكدت القيادية في حزب علي يعتة أن “وضع الإنسان في صلب العمل الحكومي يمثل بدوره محددا أساسيا، وإن كان ذلك قد يتم وفق شروط”، مضيفة أن هناك أيضا “خطوطا حمراء” لا يمكن للحزب التنازل عنها؛ وفي مقدمتها مسألة الأطراف التي سيحكم معها، والمكونات التي سيخوض معها الائتلاف الحكومي.
وفي هذا السياق، قالت شرفات أفيلال إن إعادة استنساخ التركيبة الحكومية نفسها ستجعل الموقف واضحا وصريحا، مؤكدة أن الحزب “لا يمكن أن يعيش أو يتعايش مع مكوّن سبب في الأزمة والحكرة والقهر للمغاربة”، في إشارة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار.
وعلق عليها محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام للحزب، عند نهاية كلمتها بأن “التواجد مع هذا الطرف غير مطروح نهائيا في تصور الحزب أو في تصوره للمرحلة المقبلة” من تدبير المشاورات الحكومية الجارية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، التي عينها الملك رئيسة للحكومة مكلفة بتشكيلها.
بدوره، استحضر رشيد حموني، القيادي في حزب التقدم والاشتراكية ورئيس فريقه النيابي خلال الولاية التشريعية السابقة، خيار المعارضة، باعتباره آخر تجربة خرج منها الحزب، مشيدا بما راكمه الحزب خلال خمس سنوات من عمل معارض تمكن خلالها من كشف عدد من الاختلالات وتضارب المصالح.
وأوضح حموني، في مداخلته، أن معارضة الحزب خلال الولاية السابقة لم تكن موجهة ضد أشخاص أو أحزاب بعينها، وإنما ضد السياسات العمومية التي كان يرى أنها “لا تخدم مصالح المغاربة”، مشيرا إلى أن “الفريق تقدم ببدائل في عدد من الملفات؛ من بينها حماية القدرة الشرائية والمحروقات، إلى جانب تقديم مقترحات قوانين”.
واعتبر القيادي في حزب “الكتاب” أن “الإشكال الذي واجهه الحزب تمثل في عدم قدرته، رغم كل ذلك، على تقديم شيء ملموس للمواطن”، مذكرا بأن السؤال الذي كان يُواجَه به الحزب خلال الحملة الانتخابية هو الأشياء الملموسة التي قدمتها المعارضة للمواطن، موردا أن المواطن كان يردد أن المعارضة “أهل الكلام”، في ظل تحول انتظارات الناخب إلى البحث عن أثر ملموس للسياسات والمواقف السياسية.
وأضاف السياسي ذاته أن جزءا من النخبة التي كان الحزب يخاطبها لم يتوجه إلى صناديق الاقتراع، بينما شارك في التصويت مواطنون عاديون كانوا يبحثون عن نتائج ملموسة، وهو ما وضع الأحزاب، وفق تقديره، أمام إشكال حقيقي في كيفية إقناع المواطنين بجدوى عملها السياسي.
وقال المتحدث إن الحزب لا يتسول المقاعد ولا المشاركة في الحكومة؛ بل كان من أوائل من قدموا برنامجا واضحا (…) يتقاطع بشكل كبير مع برنامج الحزب القائد للأغلبية، مبرزا أن الحزب كان يتمنى في السابق المشاركة في ائتلاف لتنفيذ جزء كبير من برنامجه، بينما بات مستوى التقاطع بين البرنامجين، حسب تقديره، يقارب 90 في المائة.
وشدد رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية خلال الولاية التشريعية السابقة على أن الهدف من البرنامج الانتخابي هو تنفيذه، وأن تنفيذ السياسات العمومية يمر عبر المشاركة في الحكومة وتدبيرها من داخل المؤسسات.
وتابع حموني: “حزب التقدم والاشتراكية، بحكم تجربته السابقة، لن يتنازل عن مواقفه”، مضيفا أنه إذا بلغ الحزب مرحلة يرى فيها أنه لم يعد قادرا على الاستمرار، فسيخرج من الحكومة بالطريقة التي خرج بها من حكومة سعد الدين العثماني.
بالمقابل، نبّه أحمد الوهاجي، عضو المكتب السياسي واللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية، إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي سيقود الحكومة الجديدة، سبق أن تحمّل المسؤولية داخل الحكومة المنتهية ولايتها، مشيرا إلى أن أول إجراء اتخذه كان سحب مضامين الإثراء غير المشروع، وتساءل: “كيف سنحارب الفساد؟”، في الوقت الذي تتضمن فيه المسطرة الجنائية الجديدة التي وضعها “البام” مقتضيات تمنع جمعيات المجتمع المدني من التبليغ عن الفساد.
وتساءل الوهاجي كذلك عن كيفية المساهمة في تخليق الحياة العامة، في الوقت الذي وضع فيه حزب الأصالة والمعاصرة، في آخر لحظة وفي التوقيت الميت للحكومة، قانونا للصحافة قال إنه “جرّدها من الحرية والاستقلالية وجعلها ملحقة بالسلطة”.
وأضاف المتحدث عينه: “كيف يمكن أن نساهم في تحسين القدرة الشرائية للمواطنين وللأجراء؛ في حين اتخذ الحزب قانونا للإضراب يقيّد الحرية النقابية ويخدم أساسا أرباب العمل؟”.
وفي السياق ذاته، طرح عضو المكتب السياسي واللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية سؤال ربط المسؤولية بالمحاسبة، متسائلا عن كيفية تحقيق ذلك “وفي ظل هذه الحكومة تم تفويض المشاريع المرتبطة بالتنمية الترابية المندمجة إلى العمال والولاة”، معتبرا أنهم “خارج المحاسبة السياسية ولا يمكن محاسبتهم”.
وقال القيادي ذاته إن هناك، بالنسبة إليه، “وضعية مؤسَّسة ومُمأسَسة للفساد”، لافتا إلى أنه من الصعب على الحزب أن يدخل في هذا الاتجاه، وزاد: “أنا أفضّل أن أكون في المعارضة؛ فهذا أرحم من الدخول لتزكية هذا الفساد”.
وأبرز أحمد الوهاجي أنه “إذا كان لا بد من الدخول”، فعلى رئيسة الحكومة أن تلتزم سياسيا وأخلاقيا، بأنها ستتخذ خلال الأيام الأولى للتدبير مجموعة من الإجراءات، محددا هذه الإجراءات في إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، وسن قانون يمنع الإثراء غير المشروع، ومراجعة قانون الإضراب، ومراجعة قانون الصحافة، إضافة إلى نزع اختصاصات من الولاة.