من "الزم بيتك" إلى طلب العذر .. وهبي يشعل سجال بنكيران والعثماني
خرجة إعلامية واحدة لعبد اللطيف وهبي، وزير العدل والقيادي البارز في حزب الأصالة والمعاصرة، كانت كافية لإعادة خلط الأوراق بين عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وزميله في الحزب ورئيس الحكومة الأسبق سعد الدين العثماني، بخصوص موضوع المسؤولية السياسية في توقيع اتفاقية استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل قبل نحو ست سنوات.
ما وقع هو أن وهبي، الذي حل قبل أيام ضيفا على جريدة هسبريس ، استغرب عدم اتخاذ بنكيران أي قرار في حق العثماني، “ما دام وقّع مع الصهاينة وأخذ الصور معهم”، بتعبيره، في مقابل “التهجّم” على فاعل إعلامي قرر دعم المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال الانتخابات الأخيرة.
ونبّه القيادي “البامي” غريمه بنكيران إلى أن سعد الدين العثماني، “الذي وقّع اتفاقية التطبيع وتحمل المسؤولية الرسمية والسياسية والأخلاقية والتاريخية بشأنها، سبق أن عقد تجمعين في سيدي إفني دعما لمرشح حزب العدالة والتنمية”، متسائلا باستغراب:” ربما لا بأس في أن يقيم تجمعات لفائدة الحزب دون أن يُتخذ في حقه أي قرار بالطرد أو ما شابه”، وفق تعبيره.
ولم يتأخر بنكيران في التقاط فحوى هذا الكلام، إذ دعا زميله في الحزب سعد الدين العثماني، خلال لقاء حزبي بإقليم النواصر الأحد الماضي، وبكثير من الانفعال، إلى أن “يلزم بيته ويهتم بشؤونه العلمية”، عوضا عن “التشويش على الحزب”.
وقال المسؤول الحزبي ذاته مخاطبا العثماني: “وأنا كنقول لسعد الدين لزم بيتك، قدّر عليك الله ما قدّر، لزم بيتك، وشد تيقارك واشتغل في الشؤون العلمية لي كنتي كتشتغل فيها من قبل، راك غير كتشوش على الإخوان ديالك… ها هما ليوم كي عايرونا بالتوقيع ديالك على التطبيع لي لا ذنب لنا فيه ولا علم لنا به والله على ما أقول شهيد”.
بنكيران يعتذر
بعد نحو يومين على الواقعة، عاد عبد الإله بنكيران إلى توضيح موقفه والاعتذار إلى سعد الدين العثماني، موضحا أن التصريحات التي أثارت الجدل جاءت ردا على الهجوم الذي تعرض له من طرف عبد اللطيف وهبي، ومؤكدا أن المقطع المتداول بشأن العثماني جرى “تسريبه وترويجه مجتزأ”، وأنه لم يكن على علم بمشاركته في الحملة الانتخابية الأخيرة للحزب مؤخرا.
وأكد بنكيران أنه ما فتئ يشيد علنا بالعثماني، بالنظر إلى ما جمعهما من “عمل جاد طيلة عقود” وما يكنه له من تقدير واحترام وود، بالرغم من الاختلاف في التقدير والمواقف، مشيرا في المقابل إلى أنه يرى من المناسب عدم مشاركة الأخير في بعض الأنشطة التي “قد يستغلها خصوم الحزب لإثارة مواقف معادية ضده وضد حزب العدالة والتنمية”، وموردا: “إذا كان في دعوتي له بلزوم بيته علانية أي إساءة، فإنني أؤكد له أنها لم تكن مقصودة، وليعذرني عنها”.
ردود أفعال
قبل صدور هذا التوضيح، كان كلام زعيم “المصباح” في هذا الجانب قد أثار ردود فعل واسعة داخل الحزب وخارجه، إذ رأى كثيرون أنه تضمن “تهجما غير لائق على العثماني”، المعروف بطباعه الهادئة، بشأن ملف التطبيع مع إسرائيل؛ وهو الملف الذي سبق لبنكيران أن دافع فيه عن زميله في الحزب.
وبالعودة إلى الماضي فإن بنكيران سبق أن رفض تحميل العثماني مسؤولية التوقيع على الاتفاق الثلاثي مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، إذ قال وقتها إن “الرجل الثاني في الدولة (العثماني) لا يخرج عن الرجل الأول في الدولة (الملك محمد السادس)”، وأوضح حينها في تصريح متلفز: “ميمنكلناش نضغطوا، اليوم، على الدكتور سعد الدين العثماني، ويمشي ـ لا قدر الله ـ يقدم استقالتو، ونوليوا في أزمة نخلقوها حنا للدولة ديالنا. إيلا كانت غتكون هاد الأزمة تكون عندنا حنا”، وزاد: “عندنا الدولة ديالنا، والملكية ديالنا أولوية”.
ودعا المتحدث آنذاك القيادات الغاضبة داخل الحزب إلى الهدوء، مؤكدا أن التنظيم لا يمكنه أن يتخلى عن المؤسسات في هذه الظروف الحساسة، وموردا ـ في ما معناه ـ أن قرار استئناف العلاقات مع إسرائيل اتُّخذ في سياق سياسي ودبلوماسي خاص، وأن العثماني لم يكن صاحب القرار فيه بشكل منفرد.
وفي هذا السياق أعاد كلام الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية، الأحد الماضي، إلى الواجهة مفارقة مواقفه من العثماني، بين دفاعه عنه في قضية توقيع “اتفاقية التطبيع” قبل نحو ست سنوات، مقابل دعوته اليوم إلى “لزوم بيته وعدم التشويش على إخوانه”، بمبرر أن النازلة “مازالت تحرج الحزب وتتيح لخصومه فرصة مهاجمته”.
دفاعٌ عن العثماني
في خضم هذا الجدل سارعت قيادات في الحزب إلى الدفاع، بشكل أو بآخر، عن سعد الدين العثماني ومحاولة احتواء الوضع، مستحضرة عدم إمكانية تحميله مسؤولية نازلة سبق أن أصدر فيها الحزب بلاغات مفصلة.
في تفاعله مع الموضوع قال محمد يتيم، عضو الأمانة العامة لـ”البيجيدي”، إن “إعادة النبش في مسألة توقيع العثماني باسم الدولة المغربية على اتفاقية التطبيع لا فائدة منها وعودةٌ بعقارب الساعة إلى الوراء”.
وأضاف يتيم، في “تدوينة” على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، أن “استرجاع توقيع الدكتور العثماني على اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني لم يكن في محله من قبل الأستاذ عبد الإله بنكيران”، مسجلا أنه “من الناحية البروتوكولية لم يكن من المناسب واللائق أن يوقع الملك احتراما لتوازي الأشكال والمواقع، فقد كانت ‘التخْريجة’ أن يوقع أول مسؤول في تراتبية الدولة بعد الملك، وهو في هذه الحالة رئيس الحكومة”.
وذكّر القيادي ذاته بأن العثماني سبق له أن عبر عن موقف واضح من التطبيع، معتبرا أن “كل متتبع منصف للحظة التوقيع سيتأكد أن الدكتور العثماني لم يكن على علم على ما يبدو بنص الوثيقة التي طلب منه التوقيع عليها”، وأضاف: “ولا أتصور أن أمينا عاما سواء كان أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية أو لغيره من الأحزاب كان سيرفض الاستجابة لدعوة الديوان الملكي، أو سيعلن في تلك اللحظة رفضه التوقيع”.
وكتب خالد الصمدي، كاتب الدولة السابق في التعليم العالي والبحث العلمي عن الحزب ذاته: “الجدل لا ينبغي أن يكون في واقعة التوقيع من عدمه في غياب استحضار سياقاته ومعطياته ومناقشة سلبياته وإيجابياته بهدوء ووعي في كلا الخيارين، للترجيح بينهما واستخلاص العبر من ذلك، لأن ما هو تقدير واجتهاد ينبغي أن تحترم فيه الآراء والمواقف ما لم تصل إلى الطعن في النيات والتوسل بالعناد”.
أما محمد أمين الدهاوي، عضو المكتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية، فتفاعل مع النازلة متسائلا: “أليس فينا وفي حزبنا رجلٌ حكيم؟ أليس الأصل في مثل هذه الحالات تدخل العقلاء والحكماء؟ ألسنا مطالبين جميعا برأب هذا الصدع، وتوحيد التصورات، وحلّ الخلافات التي تبيّن أن بقاءها على هذا الحال ستكون له آثارٌ سلبية على الحزب وهياكله؟”.
وأضاف الدهاوي في “تدوينة” له: “نحن اليوم في أمسّ الحاجة لتوحيد الجهود نحو المعارك الخارجية، لا أن نُغذّيَ خلافات داخلية الأصل أن يُبتّ فيها داخل مؤسسات الحزب وهيئاته. ما وقع يجب أن تتمّ تسويته، وما نحن مقبلون عليه سيكون بلا شك أصعب مما تجاوزناه، ما يتطلب منا جميعا لحظات صدق وصراحة ووضوح”.