في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
على شاطئ غزة، لم يعد القارب بالضرورة مصنوعا من الخشب أو الألياف الزجاجية. بالنسبة إلى محمد محيسن، تحول باب ثلاجة منزلية إلى وسيلة للإبحار ومصدر للرزق، بعدما دمرت الحرب قوارب الصيد وحرمت مئات الصيادين من أدوات عملهم.
يجلس محمد فوق لوح من الفلين استخرجه من باب ثلاجة، ويتحرك به في نطاق محدود قبالة الشاطئ. الوسيلة البدائية لا تحمل أكثر من شخصين، ولا تسمح له بالابتعاد عن حوض ميناء غزة، لكنها تبقى أفضل من انتظار قارب لم يعد موجودا.
ويقول محمد لـ"سكاي نيوز عربية": "الفكرة نشأت من الحاجة. لا توجد قوارب صيد، لذلك اضطررنا إلى استخدام أبواب الثلاجات بديلا عنها".
من باب ثلاجة إلى باب رزق
كان محمد يعمل في مجال البناء قبل السابع من أكتوبر 2023، لكن توقف كثير من المهن دفعه إلى البحث عن عمل في البحر، مستفيدا مما بقي بين الأنقاض.
حتى باب الثلاجة لم يكن رخيصا. فقد دفع فيه نحو 170 دولارا بسبب ندرة الثلاجات التي يمكن تفكيكها، بعدما أصبحت بعض أجزائها تنتشل من المنازل المدمرة ثم تباع لإعادة استخدامها.
ولا يملك اللوح حواجز مرتفعة تحمي من يجلس فوقه، ما يجعله عرضة للانقلاب مع حركة الأمواج. لذلك يبقى محمد قريبا من الشاطئ، حيث تقل الأسماك، ويعمل أحيانا نحو 12 ساعة لتعويض ضعف حصيلة الصيد.
ويقول: "نخشى أن تقلبنا الأمواج، لأن باب الثلاجة بلا حواف مرتفعة. وهذا يقلل قدرتنا على الابتعاد وفرص الحصول على كميات أكبر".
ثلاجة تضيء البحر
لم تقتصر إعادة استخدام الثلاجات على أبوابها. فما يتبقى من هيكلها تحول أيضا إلى جسم عائم يحمل البطاريات والمصابيح التي يحتاجها الصيادون للعمل ليلا.
بدأ الصياد درويش العاصي باستخدام قطع من الفلين ثُبت فوقها صندوق بلاستيكي يحتوي على بطارية لتشغيل مصابيح الإنارة. ثم طور الفكرة باستخدام ثلاجة منزلية منزوعة الأبواب، تطفو فوق الماء وتحمل مصدر الضوء.
ويقول درويش لسكاي نيوز عربية إن الفكرة جاءت بعد تدمير معظم المراكب والقوارب، موضحا أن الثلاجة العائمة عوضت جزءا من المعدات التي كانت المراكب تحملها قبل الحرب، ومنها المولدات ووحدات الإنارة العاملة بالوقود.
مهنة تعيد بناء أدواتها
يقول مسؤول لجان الصيادين في قطاع غزة، زكريا بكر، إن الابتكار لم يعد ترفا، بل أصبح شرطا لاستمرار المهنة في ظل غياب المواد اللازمة لصناعة القوارب.
ويضيف: "أن تتحدى الظروف وتصنع قارب تجديف في ظل انعدام المواد، فهذا إبداع".
ولا تقتصر المحاولات على القوارب البديلة. فالصيادون ينتشلون الشباك والبطاريات من تحت أنقاض غرفهم ومخازنهم، ثم يصلحون ما يمكن إصلاحه ويعيدونه إلى العمل.
وبحسب بكر، يعمل حاليا نحو 700 صياد فقط، معظمهم بقوارب تجديف صغيرة غير مزودة بمحركات. وتقدر هيئات محلية تضرر نحو 95 بالمئة من قطاع الصيد، وتدمير قرابة 800 قارب مزود بمحركات و600 قارب تجديف، إلى جانب تدمير أو غرق 96 مركبا كبيرا.
البحر محفوف بالخطر
لا يواجه الصيادون نقص المعدات وحده. ويقول بكر إنهم يتعرضون لإطلاق النار والملاحقة والاعتقال ومصادرة القوارب خلال محاولاتهم العمل في البحر.
ووفقا لمصادر فلسطينية تحدثت إلى سكاي نيوز عربية، قتل 4 صيادين منذ بداية العام، واعتقل 34 وأصيب 27 آخرون، فيما تعرضت قوارب ووسائل بدائية، بينها ألواح الفلين وأبواب الثلاجات، للتدمير.
وتقدر المصادر نفسها عدد الصيادين الذين قتلوا منذ بداية الحرب بنحو 233.
وسط هذه الظروف، لا ينتظر محمد محيسن عودة القارب التقليدي. فإذا غاب المركب بحث عن باب ثلاجة، وإذا اختفى المولد استعان ببطارية، وإذا تمزقت الشبكة انتشل ما يمكن إصلاحه من الركام.
ليست هذه الأدوات بديلا آمنا أو دائما، لكنها محاولة لإبقاء مهنة كاملة على قيد الحياة، والعودة كل صباح إلى بحر أصبح الوصول إلى الرزق فيه مغامرة.
المصدر:
سكاي نيوز