يشهد قطاع أشباه الموصلات أزمة غير مسبوقة في ذاكرة الوصول العشوائي (RAM)، مع عجز عالمي عن تلبية الطلب المتزايد، مدفوعًا بالطفرة الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى ارتفاعات قياسية في الأسعار، وسط تحذيرات من استمرار الأزمة لعدة سنوات.
فجميع الأجهزة الحاسوبية تعتمد على الذاكرة لتخزين البيانات قصيرة الأجل، إلا أن شركات كبرى مثل "إنفيديا" و"AMD" و"غوغل" باتت تستهلك كميات ضخمة من الذاكرة لتشغيل شرائح الذكاء الاصطناعي، ما جعلها تتصدر قائمة الأولوية لدى الموردين، على حساب باقي الأسواق الاستهلاكية.
ويهيمن على سوق الذاكرة ثلاثة لاعبين رئيسيين هم "ميكرون" و"سامسونغ إلكترونيكس" و"إس كيه هاينكس"، الذين باتوا المستفيد الأكبر من موجة الطلب الحالية، بحسب تقرير نشرته شبكة "سي إن بي سي" واطلعت عليه "العربية Business".
وقال رئيس أعمال "ميكرون"، سوميت سادانا، إن الشركة تشهد قفزة حادة وكبيرة في الطلب على الذاكرة، تجاوزت قدرتنا وقدرة الصناعة ككل على تلبية هذا الطلب".
وتعكس الأرقام هذا الواقع، إذ ارتفع سهم "ميكرون" بنحو 247% خلال عام واحد، بينما أعلنت "سامسونغ" توقعها تضاعف أرباحها التشغيلية تقريبًا، في وقت أكدت فيه "SK Hynix" أنها باعت كامل طاقتها الإنتاجية من الذاكرة حتى عام 2026.
ويرجع ذلك إلى الطلب الهائل على ذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM)، التي تُستخدم في شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
فمعالجات "إنفيديا" الحديثة، مثل Rubin، تأتي مزودة بمئات الغيغابايت من هذه الذاكرة، مقارنة بـ8 أو 12 غيغابايت فقط في الهواتف الذكية.
غير أن تصنيع HBM عملية معقدة، تتطلب تكديس ما بين 12 و16 طبقة من الذاكرة في شريحة واحدة.
ووفق "ميكرون"، فإن إنتاج "بت" واحد من HBM يعني التخلي عن إنتاج ثلاثة "بتات" من الذاكرة التقليدية، ما يقلص المعروض لبقية الأسواق.
هذا التحول بدأ ينعكس على أسعار الأجهزة الاستهلاكية.
وأشار محللون إلى أن الذاكرة باتت تمثل نحو 20% من تكلفة تصنيع الحواسيب المحمولة، مقارنة بـ10–18% في السابق.
كما حذرت شركات مثل "ديل" من أن نقص الذاكرة سيؤدي إلى ارتفاع التكاليف وربما الأسعار النهائية للمستهلكين.
حتى المستخدمون الأفراد شعروا بالأثر، إذ كشف أحد التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا أن ذاكرة بسعة 256 غيغابايت اشتراها قبل أشهر بـ300 دولار، بات سعرها اليوم يقترب من 3 آلاف دولار.
داخل قطاع الذكاء الاصطناعي، يُطلق على هذه الأزمة اسم "جدار الذاكرة"، حيث أصبحت المعالجات فائقة السرعة تنتظر البيانات بسبب بطء الذاكرة وعدم كفايتها.
ويؤكد خبراء أن توسيع الذاكرة وتسريعها هو مفتاح تشغيل نماذج أكبر، وخدمة عدد أكبر من المستخدمين، وتحسين قدرات التخصيص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ورغم خطط التوسع وبناء مصانع جديدة في الولايات المتحدة، تؤكد "ميكرون" أن إنتاجها محجوز بالكامل حتى عام 2026، على أن تبدأ المصانع الجديدة في دخول الخدمة بين 2027 و2030.
وحتى ذلك الحين، يبدو أن سوق الذاكرة سيبقى تحت ضغط شديد، مع استمرار الذكاء الاصطناعي في ابتلاع الإمدادات، وارتفاع الأسعار، وتزايد المخاوف من انتقال كلفة هذه الثورة التقنية إلى جيوب المستهلكين.
المصدر:
العربيّة