بعث حزب الاستقلال، في أكبر تجمع خطابي له بعاصمة الأقاليم الجنوبية، مساء اليوم الأحد، بمناسبة تخليد الذكرى الـ 82 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، رسائل سياسية واضحة في اتجاه ساكنة مخيمات تندوف، مؤكدا أن المرحلة الراهنة تفرض تغليب منطق الواقعية والانخراط في الحلول السياسية الجادة، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الإطار الوحيد الكفيل بإنهاء هذا النزاع الإقليمي المفتعل وفتح آفاق الاندماج والمشاركة أمام جميع الصحراويين داخل وطنهم الأم.
وفي هذا الصدد قال محمد ولد الرشيد، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، إن تخليد الذكرى الثانية والثمانين لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال يشكل محطة سياسية مميزة لاستحضار جوهر المشروع الوطني المغربي، القائم على الانتماء والالتزام والوفاء، مشيرا إلى أن “القيم التي حملتها وثيقة 11 يناير 1944 امتد أثرها ليواكب اليوم معركة التنمية وترسيخ الوحدة الترابية، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس”.
وأضاف ولد الرشيد، في كلمة ألقاها خلال تجمع جماهيري استقلالي حاشد بمدينة العيون، أن الوثيقة المؤسسة للاستقلال شكلت منعطفا حاسما في مسار النضال الوطني، إذ نقلت القضية المغربية من منطق المطالب الإصلاحية إلى إعلان الإرادة السياسية الصريحة، وهو ما أسس لمرحلة جديدة من العمل الحزبي المنظم، وقاد إلى تبلور حزب الاستقلال باعتباره أداة سياسية مركزية في الدفاع عن سيادة المغرب ووحدته.
وأكد رئيس مجلس المستشارين أن استحضار هذه الذكرى اليوم لا ينفصل عن اللحظة التاريخية التي يعيشها المغرب في قضيته الوطنية الأولى، مبرزا أن التراكم الدبلوماسي والمؤسساتي الذي قادته المملكة، تحت التوجيهات الملكية، أفضى إلى تحولات نوعية على مستوى التعاطي الأممي والدولي مع هذا النزاع، ما عزز مشروعية الموقف المغربي وكرس أفق الحسم النهائي.
أورد القيادي في حزب الاستقلال أن المغرب يوجد اليوم أمام مرحلة متقدمة من مسار تثبيت وحدته الترابية، تقوم على منطق الشرعية التاريخية والسيادة الوطنية، وعلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الواقعي والجاد لتسوية النزاع المفتعل، مشددا على أن “هذا المسار لا تحكمه اعتبارات ظرفية، بل قراءة سياسية رصينة لمسار تراكمي تصنعه موازين الحق والقانون والتاريخ”.
متحدثا أمام أزيد من 37 ألفا من منتسبات ومنتسبي الحزب بجهة العيون الساقية الحمراء دعا ولد الرشيد إلى الانتقال نحو مرحلة جديدة من التعبئة السياسية، في إطار شعار “مغرب صاعد بإرادة شباب واعد”، معتبرا أن الرهان اليوم بات رهانا تنمويا ومجتمعيا يعكس قدرة المغرب على تحويل الوحدة الترابية إلى رافعة للاستقرار والتنمية.
ودعا المتحدث في هذا السياق إلى اغتنام الظرفية الدولية الراهنة، والانخراط الجماعي في معركة الحسم، سواء عبر تعزيز الجبهة الداخلية أو عبر تكريس النموذج التنموي بالأقاليم الجنوبية، باعتباره الجواب العملي عن الأطروحات الانفصالية، ورسالة واضحة للمجتمع الدولي، وأردف بأن تنزيل الحكم الذاتي، في حال اعتماده نهائيا، سيشكل تتويجا لمسار وطني جامع، يفتح المجال أمام مشاركة جميع أبناء الصحراء في تدبير شؤونهم المحلية داخل السيادة المغربية، ومؤكدا أن هذا المشروع يقوم على منطق الإدماج لا الإقصاء، وعلى توسيع المشاركة السياسية في إطار المؤسسات المنتخبة.
كما توقف رئيس مجلس المستشارين مطولا عند الأدوار السياسية والتنموية التي تضطلع بها الأقاليم الجنوبية، موردا أن ما تحقق من أوراش وبنيات تحتية ومشاريع كبرى يعكس تحولا إستراتيجيا يجعل من الصحراء المغربية فضاء صاعدا وفاعلا في العمق الإفريقي للمملكة.
ووجّه الفاعل السياسي ذاته رسالة سياسية قوية مفادها أن معركة الصحراء المغربية دخلت فعليا مرحلة الحسم، القائم على الشرعية والإنجاز، وعلى وضوح الرؤية، مبرزا أن المغرب، بثقة وثبات، ماض في تثبيت وحدته الترابية، مستندا إلى تلاحم شعبه ومؤسساته، وإلى القيادة الملكية التي جعلت من هذا الملف أولوية سيادية لا تقبل المساومة.
واستغل المتحدث ذاته المناسبة لدعوة سكان مخيمات تندوف، الذين وصفهم بـ”إخواننا”، إلى التفاعل الإيجابي مع التحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، واغتنام الفرص الأخيرة من أجل العودة إلى الوطن الأم والانخراط في بناء وطن جامع، مع جميع أبناء الصحراء، في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.
وخلص محمد ولد الرشيد إلى أن المغرب، وهو يقترب بثبات من طي هذا النزاع المفتعل، يمد يده بروح المسؤولية والانفتاح، معتبرا أن خيار الحكم الذاتي يمثل أفقا واقعيا يضمن الكرامة والتنمية والاستقرار للجميع، ويكرس منطق المصالحة والاندماج، في ظل دولة موحدة قوية بمؤسساتها، وقادرة على تحويل التوافق الوطني إلى رافعة مستقبلية لمغرب صاعد بثقة وإرادة.
من جانبه أكد مولاي حمدي ولد الرشيد، القيادي البارز في حزب الاستقلال، خلال عرضه السياسي أمام حشد جماهيري احتضنته قاعة المعارض بمدينة العيون، أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 يشكل انتصارا تاريخيا يكتب بمداد الذهب للدبلوماسية الملكية، باعتباره كرس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كالحل الوحيد والواقعي لنزاع الصحراء.
وأضاف ولد الرشيد أن هذا القرار الأممي يجسد التحول العميق في مقاربة المنتظم الدولي لهذا الملف، ويجسد وجاهة الرؤية المغربية التي قادها الملك محمد السادس بحكمة وثبات، مبرزا أن الحكم الذاتي المزمع تنزيله بالأقاليم الجنوبية لا يقتصر على فئة أو مجال جغرافي بعينه، بل يشمل جميع الصحراويين والصحراويات، أيا كانت أماكن تواجدهم عبر التراب الوطني، من طنجة إلى الكويرة، ومن الدار البيضاء إلى كلميم وطانطان.
وأوضح عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال أنه لا مجال لأي مزايدة سياسية أو جغرافية على الانتماء للمنطقة، موردا أن الهوية الصحراوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية المغربية، وأن حضن الوطن يتسع لجميع أبنائه دون استثناء، سواء القاطنين بالأقاليم الجنوبية أو الموجودين بمخيمات تندوف، في إطار دولة موحدة قائمة على المواطنة المتساوية والحقوق المكفولة.
وجدد منسق الجهات الجنوبية الثلاث للحزب دعوته الصريحة لساكنة مخيمات تندوف من أجل العودة إلى أرض الوطن والمساهمة في بناء مغرب المستقبل، داعيا إلى قراءة المتغيرات الدولية المتسارعة التي يشهدها العالم، واستيعاب التحولات الجيوسياسية التي أثبتت، وفق تعبيره، أن “الرهانات المبنية على أوهام الانفصال لا تصمد أمام منطق الدول والمؤسسات”.
ولم يفت القيادي في “حزب علال الفاسي” التطرق إلى ما شهدته عدد من السياقات الدولية، من بينها الحالة السورية وبعض التجارب بأمريكا اللاتينية، التي تؤكد بحسبه أن “استقرار الدول ووحدة أراضيها يظلان الخيار الواقعي الوحيد لضمان الأمن والتنمية”، مشددا على أن “المغرب اليوم يقدم بديلا مسؤولا يقوم على الحكم الذاتي، في إطار السيادة الوطنية، كأفق جامع يضمن الكرامة والاستقرار لجميع الصحراويين”.
المصدر:
هسبريس