“تقديرا للمسيرة النضالية، والالتزام بقيم النزاهة والعدالة”، عند أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان بالمغرب، الراحل سيون أسيدون، نظمت “منظمة ترانسبرانسي المغرب” حفل تكريم لعطائه، بمقر هيئة المحامين بالرباط، شهادة على مساره وقناعاته منذ أواخر ستينيات القرن العشرين إلى سنة رحيله 2025.
وفي كلمة منظمة الشفافية المغربية، الحاصلة على صفة المنفعة العامة، ذكرت أنها تنظم “حفل تكريم للراحل سيون أسيدون”، الذي “كان في مقدمة مجموعة من النشطاء المغاربة الذين بادروا إلى تأسيس الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة، وكان أول كاتب عام لها، وانضم إلى منظمة الشفافية الدولية، وانتخب عضوا في مجلس مدراء المنظمة الدولية لسنوات عديدة، وحصل على عضوية جائزة النزاهة، وكان منسقا للجنة اعتماد العضوية المكلفة بتزكية المنظمات، واسترخص وقته لسنين وترافع من أجل الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، والديمقراطية، ودولة الحق والقانون”.
وتابعت الكلمة الافتتاحية: “منذ شباب سيون أسيدون كلفه نشاطه الاعتقال 12 سنة (…) واستمر إيمانه بالعدالة والكرامة بالمغرب وكل مكان، وهو ما دفعه للعمل ضد الحركة الصهيونية العنصرية المحتلة لأرض فلسطين، وانضم للحركة الدولية لمناهضة إسرائيل، وتقلد مسؤولية تنسيق حركاتها، وغادرنا وهو في أوج عطائه، من أجل نصرة فلسطين وضد التطبيع في ‘الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع’، وتظل وفاته لغزا، بالنسبة لترانسبارانسي، وعائلته، ورفاقه، وتظل عدة تساؤلات لا تجد الأجوبة الكافية”.
البشير الراشدي، الرئيس السابق للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، والكاتب العام سابقا لـ”ترانسبارانسي المغرب”، قال إن “سيون أسيدون قامة لها جوانب متعددة من بينها السخاء على المجتمع، والوطن ودوليا، فقد عاش حياته كلها من أجل القضايا التي دافع عنها، سواء دفاعه عن حقوق الإنسان، أو القضية الفلسطينية التي آمن بها بعمق، وكان يدافع عنها في المنظمات، والمحافل، لرفعها إلى أعلى مستوى وتوضيح عمقها الإنساني”.
وتابع الشاهد: “طموح سيون أسيدون كان كبيرا، وكان على وعي بأن النضال يتطلب وقتا كبيرا، وأنه لن يكون له حظ الوصول إلى هذه الأهداف، لكن هذا كان يجعله يستمر في التجند للدفاع عن هذه القضايا”، ثم أردف: “القضية التي جمعتني معه هي الدفاع عن الشفافية ومكافحة الفساد في بلادنا، وعلى المستوى الدولي، ففي 1995 اجتمعنا من أجل تكوين النواة الأولى لجمعيةٍ مغربية لمكافحة الفساد، وكان من أهدافها أن تكون في الشبكة الدولية، دون فقدان استقلاليتها وطابعها الوطني، وهذا عمل كان جد حذر مع مجموعة في البداية، ثم توسعت الدائرة، وصولا إلى تاريخ التأسيس سنة 1996، ومنذ ذلك الحين وهو يناضل ويشتغل لتأخذ القضية وضعها الحقيقي في البلاد، لأن نسق الرشوة العميق في بلادنا لا يمكن أن تواكبه جمعية فقط وأفراد، بل جبهة وطنية؛ فتم خلق شبكة وطنية تضم عشرات الجمعيات من جميع الأصناف حقوقية، ونسائية، ومنظمات مهنية، واشتغلنا لخلق لجنة دائمة لمكافحة الفساد داخل ‘الباطرونا’ المغربية، مع النضال لتكون مكافحة الفساد من مسؤولية المقاولة، واستطعنا في 1998 خلق اللجنة الدائمة للأخلاق ومناهضة الفساد”.
محمد الغفري، في كلمة جبهة مساندة فلسطين ومناهضة التطبيع، نعى “مناضلا استثنائيا، وإنسانا نبيلا، وضميرا لم ينحن يوما”، مضيفا: “نودع جسدا، لكن لا نودع موقفا، ولا مسارا، ولا قناعة، بل نودع إنسانا اختار عن وعي وشجاعة الوقوف في صف الحق، لا في صف المصالح، وأن يجعل من إنسانيته جسرا، ومن عدالته بوصلة لا وسيلة”.
وواصلت الكلمة متحدثة عن سيون أسيدون، “المغربي الأصيل، والفلسطيني بالانحياز الأخلاقي، الذي كان من القلاقل الذين فهموا باكرا أن القضية الفلسطينية ليست صراع أديان، بل قضية شعب مستعمر، وحق مغتصب، وكرامة منتهكة، ودافع طوال حياته عن قيم النزاهة والشفافية والعدالة الاجتماعية، وكان مناهضا للتطبيع مع الاحتلال، وكل أشكال الفساد والرشوة، التي تهدم أخلاق المجتمعات وتفرق بين حق المواطن وعدالته”.
أما كلمة حركة مقاطعة إسرائيل بالمغرب (بي دي إس) فتذكرت “شخصا قل نظيره، ومناضلا أمميا، لم ينقص القمع من عزيمته شيئا (…) إنسانا مقتدرا عن بعد، ومحبوبا عن قرب، وفي العمل معه يزيدك عزما وإصرارا؛ صدح بالحق في زمن الصمت، وكان متواضعا في الحضور، كبيرا في الأثر، لا يميز نفسه عن رفاقه، ولا يلوح بتاريخه، ويؤمن بالعمل الجماعي، ويؤمن بالشباب، وقدرتهم على المبادرة وتحمل المسؤولية، ويردد باستمرار بأنه قد لا يشهد التحرير، لكن الأجيال التي تسير معه اليوم ستصنعه غدا”.
وأضافت الكلمة: “لقد تشرب سيون أسيدون الحرية والكرامة، وناضل ضد التبعية والاستبداد والفساد، ووضع نصب عينيه استقلال الوطن بمقدراته، وطاقاته، وسيادته، وأكمل مسيرة المقاومة بمحاربة الفساد لينعم الجميع بالعيش الكريم (…) وآمن بأن البشرية واحدة، وبأن العدالة مفهوم كوني، فناهض الصهيونية واصطف مع الحق الفلسطيني المشروع، ومقاومة الاحتلال بكل الأشكال المتاحة”.
وفي كلمة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قال حكيم سيكوك إن الدفاع عن حقوق الإنسان قد فقد برحيله “مناضلا صلبا ومبدئيا ومخلصا وصادقا، وضميرا للوطن لم يتوقف عن الكفاح من أجل الشعب المغربي، والشعب الفلسطيني، وكل الشعوب (…) فقد ساهم منذ شبابه في تأسيس حركة اليسار الجديد نهاية الستينيات، في مواجهة الاستبداد والقهر، وقدم ثمنا غاليا، من بينه 12 سنة في أقبية السجن والتعذيب، مع ثلة من خيرة أبناء الوطن، وواصل نضاله بإصرار قوي، بالمبادئ والقيم التي اعتنقها، وعزز صفوفها منذ بدايتها، وكان داعما ماديا ومعنويا لكل أنشطتها، وخاصة مؤتمراتها، وبكل ما استطاع، وساهم في استمرارها، في فترة لم تكن تعتمد إلا على نضال مناضليها (…) وكان ينتج ويطور، متابعا أدق التفاصيل، وأساليب النضال (…) وحضر باسم الجمعية أمام المحكمة الجنائية الدولية، دعما للطفلة الفلسطينية أميرة القرم، وكان شرفا للجمعية حضور المحطة النضالية التاريخية (…) وقد حمل القضية الفلسطينية بروح نضالية عالية، ووقف طيلة حياته ضد الاحتلال الصهيوني والإبادة الجماعية وجرائم الحرب للاحتلال الصهيوني، بقيم إنسانية نادرة”.
عبد الحفيظ السريتي، في كلمة مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، نعى “المناضل الصلب الذي ترك وراءه إرثا شامخا وتجربة رائدة في العطاء، وواحدا من أصدق الأصوات المغربية، التي جعلت من العدالة مبدأ لا شعارا (…) لم يكن متضامنا عابرا مع فلسطين، بل ضميرا حيا، ويبين أن الانتماء الأعمق للإنسان، وجعل من مقاومة التطبيع والهيمنة شكلا من أشكال الدفاع عن الكرامة المشتركة، وكان حضوره في الشارع إصرارا وإيمانا، بوصف فلسطين اختبارا دائما لصدق المبادئ، وبأن على الإنسان دائما اختيار العدالة مهما كانت مكلفة”.
ومن بين ما أثارته كلمة عبد الإله بنعبد السلام، منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، روح التأليف بين الناس التي تستمر حتى بعد وفاة أسيدون؛ حيث “يجمعنا بعد الرحيل، باختلافاتنا، ومقارباتنا المتعددة، حول أوضاع بلادنا والقضية الفلسطينية”.
المصدر:
هسبريس