البحار القديمة تكشف تحركات كبرى للأرض حول محور دورانها
لم تكن الأرض خلال عصر الديناصورات مستقرة في اتجاهها كما قد توحي لنا الخرائط الحديثة؛ فقد توصل فريق دولي يقوده علماء من جامعة أوسلو إلى دليل جديد على أن القشرة والوشاح أعادا توجيه نفسيهما بالنسبة إلى محور دوران الكوكب خلال فترات جيولوجية محددة، في ظاهرة تُعرف باسم الانجراف القطبي الحقيقي" (True Polar Wander).
والجديد أن الباحثين لم يعتمدوا هذه المرة على السجل المغناطيسي للصخور، بل قرأوا آثار تقدم البحار القديمة وانحسارها عن القارات خلال 320 مليون سنة، ليحصلوا بذلك على اختبار مستقل لأحد أكثر موضوعات تاريخ الأرض إثارة للجدل. ونُشرت الدراسة في دورية "ساينس" مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وأعدها الباحث ماثيو دومير وزملاؤه لياندرو غالو وكلويه مارسيلي وتروند تورسفيك.
مصدر الصورة
ولا يعني الانجراف القطبي الحقيقي أن محور دوران الأرض يتقلب عشوائيا في الفضاء، ولا أنه انقلاب للمجال المغناطيسي. فالفكرة هي أن توزيع الكتل داخل الأرض يتغير بفعل حركة الصفائح ودوران المواد في الوشاح، مما يسمح للقشرة والوشاح بإعادة توجيه نفسيهما بالنسبة إلى محور الدوران.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 الجزائر والسعودية تحصدان جوائز في أولمبياد الفلك الدولي
* list 2 of 2 ناسا تبحث عن كهف خفي تحت سطح القمر قد يؤوي رواد المستقبل end of list
وتشير الورقة إلى أن هذه الظاهرة تحدث اليوم بمعدل يقارب 10 سنتيمترات سنويا، لكن السؤال الذي ظل موضع خلاف هو: هل هذا السلوك بطيء ومحدود على المقاييس الجيولوجية، أم أن الأرض مرت بفترات استمر فيها الانجراف السريع ملايين السنين؟
مستوى البحر يتحول إلى سجل لحركة الأرض
تقليديا، يعتمد الجيولوجيون على المغناطيسية القديمة (Paleomagnetism) لدراسة مواقع القارات والقطبين في الماضي؛ إذ تحتفظ بعض الصخور بإشارة إلى اتجاه المجال المغناطيسي وقت تشكلها.
لكن المشكلة أن حركة الصفائح التكتونية نفسها يمكن أن تنتج إشارات يصعب أحيانا فصلها عن حركة الأرض الصلبة بالنسبة إلى محور الدوران، وهو أحد أسباب استمرار الخلاف بشأن سرعة الانجراف القطبي القديم وحجمه.
وهنا جاءت فكرة الفريق بقيادة الباحث في مركز صلاحية الكواكب للسكن بجامعة أوسلو ماثيو دومير: ماذا لو ترك الانجراف القطبي بصمته في مستوى البحار أيضا؟
مصدر الصورة
فالأرض الدوارة ليست كرة مثالية، وإذا أعادت كتلتها الصلبة توجيه نفسها بالنسبة إلى محور الدوران، فإن التغير في تأثير القوة الطاردة المركزية يؤدي إلى نمط جغرافي مميز في مستوى البحر؛ يرتفع في منطقتين متقابلتين وينخفض في منطقتين أخريين، مشكلا ما يُعرف بالنمط الرباعي الأقطاب.
والفكرة نفسها ليست وليدة الدراسة الحالية؛ إذ اقترح بحث منشور عام 1999 أن تغيرات مستوى البحر يمكن أن تمثل اختبارا مستقلا لحدوث الانجراف القطبي الحقيقي، وتوقع تغيرات قد تبلغ عشرات الأمتار أو أكثر بحسب سرعة الحركة ونموذج الأرض المستخدم.
جمع الفريق خرائط رقمية تعيد بناء المناطق التي غمرتها البحار وتلك التي انحسرت عنها المياه، وقارنها على فواصل زمنية مقدارها 10 ملايين سنة عبر آخر 320 مليون سنة، ثم بحث إحصائيا عن النمط الرباعي المتوقع إذا كانت الأرض الصلبة تعيد توجيه نفسها.
ووجد الباحثون 4 فترات تحمل إشارات ذات دلالة: قبل 200-190 مليون سنة، و150-140 مليون سنة، و100-90 مليون سنة، و30-20 مليون سنة، مع قوة أكبر للأدلة في فترتين تحديدا: أواخر العصر الجوراسي وبدايات الطباشيري، ثم منتصف العصر الطباشيري.
أدلة مستقلة تلتقي بعد عشرات السنين
وتعزز الدراسة الجديدة أدلة سابقة تشير إلى أن الأرض شهدت في تاريخها فترات أعادت خلالها القشرة والوشاح توجيه نفسيهما بالنسبة إلى محور الدوران، خصوصا قبل نحو 150 و100 مليون سنة. والجديد أن الباحثين توصلوا إلى ذلك من خلال تغيرات مستويات البحار، وهي طريقة مستقلة عن الأدلة المغناطيسية المستخدمة سابقا.
وتشير النتائج إلى أن هذه التحركات لم تكن مستمرة، بل حدثت على فترات متقطعة، وربما أسهمت في تغيير مواقع القارات بالنسبة إلى الأحزمة المناخية، ومن ثم أثرت في المناخ والبيئات القديمة.
مصدر الصورة
لكن الدراسة لا تعني أن الأرض على وشك الانقلاب، ولا أن القارة القطبية الجنوبية ستنتقل إلى خط الاستواء في المستقبل القريب. إنها تتحدث عن عمليات تستغرق ملايين السنين، وتبحث في تاريخ جيولوجي يمتد مئات الملايين منها.
والقيمة الحقيقية للبحث هي أن العلماء بات لديهم الآن سجل ثان يمكن مقارنته بالمغناطيسية القديمة، هو آثار البحار نفسها. فالشواطئ التي اختفت منذ عصر الديناصورات قد تكون احتفظت -بطريقة غير متوقعة- بسجل للحظات أعاد فيها كوكب بأكمله ترتيب نفسه حول محور دورانه.