في أعماق الصخور المدفونة تحت بحر الشمال، احتفظت طبقات من العصر الجوراسي بسجل غير مألوف للحياة البحرية القديمة، لا يتمثل في هيكل عظمي كامل أو سن مفترس ضخم، وإنما في كتل صغيرة من بقايا الطعام التي لفظها حيوان بحري قبل نحو 160 مليون عام، ثم تحولت بمرور الزمن إلى أحافير.

تشير دراسة جديدة نُشرت يوم 22 سبتمبر/أيلول في مجلة "جيولوجيكال ماغازين" إلى أن هذه الكتل، المكتشفة في عينات مأخوذة من آبار بحرية قبالة النرويج، تمثل على الأرجح قيئا متحجرا لزواحف بحرية طويلة العنق من فصيلة البليزوصورات، وهو اكتشاف يفتح نافذة نادرة على ما كانت تأكله هذه الحيوانات وكيف كانت تبحث عن غذائها في البحار الجوراسية.

مصدر الصورة اهيكل العظمي لأحد البليزوصورات في متحف أورفيلت هوف في هولزمان، ألمانيا (كلاوس نيلكينز)

تركيب غير معتاد يحل اللغز

يقول ديرك كناوست، الباحث الجيولوجي في شركة النفط النرويجية "إكوينور إيه إس إيه "، إن التركيب غير المعتاد لهذه الكتل هو المفتاح لفهم أصلها، إذ تضم أصدافا كاملة وأخرى مكسورة، وبقايا ديدان أنبوبية وزنابق بحرية، إضافة إلى قطع نباتية انجرفت من اليابسة، وكلها متراصة داخل كتل لا يتجاوز قطر معظمها بضعة سنتيمترات.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 رهان الـ15 مليار دولار.. هل يغير "ستارشيب" قواعد اقتصاد الفضاء؟
* list 2 of 2 ستارشيب تدخل المدار لأول مرة.. 26 قمرا في اختبار تاريخي end of list

يوضح الباحث في تصريحات للجزيرة نت، أنه لاحظ هذه التراكمات خلال فحص آلاف الأمتار من العينات المأخوذة من تكوينات جيولوجية تعود إلى العصرين الجوراسي الأوسط والمتأخر في منطقة حقل ترول النفطي وما حوله، وقد ركز تحليله على ما يقرب من 20 إلى 30 عينة، بعضها تعرض للتفتت وإعادة الترسيب إلى درجة جعلت تحديد العدد الدقيق أمرا صعبا.

يضيف ديرك: "كان الاحتمال الأول أن تكون الأصداف قد تجمعت بفعل العواصف أو التيارات البحرية، لكن شكلها لم يتوافق مع هذا السيناريو، لأن المواد لم تكن موزعة في طبقة ممتدة، وإنما محصورة داخل كتل كثيفة ومحدودة الحجم، كما أن بعض الحواف بدت متآكلة أو محفورة بطريقة تتفق مع مرورها داخل جهاز هضمي ".

إعلان

وبحسب الدراسة، فإن وجود كميات كبيرة من الطعام غير المهضوم، إلى جانب الشكل غير المنتظم للكتل وطبيعتها الكلسية بدلا من التركيب الفوسفاتي المعتاد في البراز المتحجر، يجعل تفسيرها باعتبارها قيئا متحجرا أكثر ترجيحا من اعتبارها بقايا براز أو محتويات أمعاء محفوظة.

مصدر الصورة هذه الزواحف، التي بلغ طول بعض أفرادها بين أربعة وثمانية أمتار، امتلكت أسنانا صغيرة وحادة ومتقاربة (جوشوا كنوبي)

من صاحب الوليمة؟

أما السؤال الأصعب فكان تحديد الحيوان الذي ترك هذه البقايا، لأن البحر الجوراسي كان موطنا لأسماك القرش والزواحف البحرية والتماسيح البحرية ومفترسات أخرى قادرة على التهام كائنات ذات أصداف صلبة، لكن ديرك يرى أن البليزوصورات طويلة العنق متوسطة الحجم، تمثل المرشح الأقوى.

يدعم هذا التفسير أن هذه الزواحف، التي بلغ طول بعض أفرادها بين أربعة وثمانية أمتار، امتلكت أسنانا صغيرة وحادة ومتقاربة، وربما استخدمتها لالتقاط القشريات والرخويات والديدان والحيوانات القاعية الأخرى، بينما أظهرت اكتشافات سابقة لمحتويات المعدة في أقاربها بقايا أصداف وزنابق بحرية تشبه ما عُثر عليه داخل الكتل النرويجية، وفقا للدراسة.

ويرجح ديرك أن الحيوانات كانت تتغذى في مناطق بحرية أكثر انفتاحا، ثم تقترب من البيئات الساحلية والدلتاوية حيث تطرح هذه الكتل وتُدفن سريعا في الرواسب، وهي عملية ساعدت في حفظها قبل أن تدمرها التيارات أو الكائنات الحافرة داخل القاع.

لكن الدراسة لا تستطيع إثبات أن البليزوصورات كانت المنتج الوحيد لهذه الأحافير، لأن أسماك القرش القديمة من مجموعة الهيبدونت، التي امتلك بعضها أسنانا مناسبة لسحق الأصداف، تظل احتمالا قائما، كما يقر الباحث بأن أنواعا مختلفة ربما أنتجت كتلا متشابهة في أزمنة وأماكن مختلفة.

ويتمثل أحد القيود الأخرى في أن العينات مأخوذة من لباب آبار وليس من أجسام أحفورية كاملة مرتبطة مباشرة بالحيوان المنتج، كما أن عمليات الحفر في الرواسب وإعادة الترسيب والتماسك المعدني غيرت كثيرا من الكتل الأصلية، وأدت أحيانا إلى تفككها أو دمجها داخل رواسب أخرى، ما يجعل إعادة بناء شكلها الأول أكثر صعوبة.