في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا يزال التنبؤ بحدوث الزلازل الكبرى المدمرة حلما لم يتحقق، فلا يمكن حتى الآن أن نقول مثلا إن زلزالا سيحدث بعد 48 ساعة، لكن هل تحدث تغيرات قبل حدوث مثل هذه الأحداث الكبيرة، بحيث تكون مؤشرات على اقترابها دون تحديد موعد؟
كانت الإجابة التي خلصت إليها دراسة نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" لفريق بحثي من مركز هلمهولتز بوتسدام لأبحاث علوم الأرض بألمانيا، أن اللغة الهامسة التي تتحدث بها الأرض وهي "الاهتزازات" تتغير قبل الزلازل الكبرى، ويمكن عند ترجمة تلك اللغة، أن نكون قادرين على الاستعداد للصرخة الكبرى التي تطلقها الأرض، وهي الزلزال الكبير.
ولترجمة همسات الأرض التي تسبق الصرخة الكبرى، استعان الباحثون بـ"التعلم الآلي غير الخاضع للإشراف"، أي أن الخوارزمية تبحث بنفسها عن الأنماط والتجمعات الموجودة في البيانات الزلزالية، من دون أن يُملي عليها الباحثون مسبقا ما الذي يجب أن تبحث عنه.
ركزت الدراسة على 5 زلازل كبرى هي "كهرمان مرعش" بتركيا عام 2023، وزلزالان بإيطاليا هما "لاكويلا" و"أماتريتشي" عامي 2009 و2016 على الترتيب، وزلزال "إيكويكي" في تشيلي عام 2014، وأخيرا زلزال "شبه جزيرة نوتو" باليابان عام 2024.
وقام الباحثون بفحص الهزات التي سبقت تلك الزلازل بتقسيمها إلى ما يشبه "العائلات"، والمقصود بالعائلة هنا مجموعة من الهزات التي تتشابه أو تتجمع من حيث المكان، أي أنها تحدث في منطقة متقاربة، و"الزمن"، أي تقع خلال فترة زمنية متقاربة، وأخيرا "المقدار الزلزالي"، أي تكون متقاربة نسبيا في أحجامها.
واستخرج الباحثون من كل عائلة مجموعة من الخصائص التي تصف سلوكها الزلزالي والميكانيكي، فوجدوا أن بعض الزلازل الخمسة التي درسوها أظهرت بالفعل مرحلة تمهيدية قبل الزلزال الكبير.
وخلال هذه المرحلة ظهرت "عائلات" زلزالية طويلة الأمد تنتمي إلى فئة معينة أطلق عليها الباحثون "الفئة الحرجة"، والتي تميزت بـ3 خصائص مهمة، وهي "تركز مكاني وزمني أكبر"، حيث أصبحت الهزات تحدث في منطقة أكثر تركزا وخلال فترة زمنية أكثر تماسكا، مقارنة بالفترات العادية، أي أن النشاط الزلزالي لم يكن موزعا بصورة عشوائية، وإنما بدأ يتجمع بصورة أكثر وضوحا.
كما حدثت "زيادة في التفاعل بين الهزات"، فالهزات داخل هذه العائلات أصبحت تتفاعل مع بعضها بدرجة أكبر، ففي الوضع العادي قد تحدث الهزات في منطقة واحدة بصورة متفرقة، بحيث لا يكون هناك ارتباط واضح بينها، لكن عندما يزداد التفاعل الزلزالي، فإن حدوث هزة صغيرة يتسبب بتغير الإجهاد في الصخور المحيطة، وهذا بدوره يؤثر في صدوع قريبة، وقد يؤدي إلى هزة أخرى، وهكذا.
وكانت الملاحظة الثالثة التي رصدها الباحثون هي أن زيادة التفاعل بين الهزات وتركيزها مكانيا وزمنيا، أنتجت تغيرا في طريقة تحرر الإجهاد المتراكم داخل القشرة الأرضية.
ويشدد الدكتور صادق كريمبولي من مركز هلمهولتز بوتسدام لأبحاث علوم الأرض بألمانيا والباحث الرئيسي بالدراسة، على أن هذه الملاحظات لا تعني أنهم أصبحوا قادرين على تحديد موعد الزلازل الكبرى، ويقول في تصريحات للجزيرة نت: "ما توصلنا إليه يقربنا من إدراك متى يبدأ نظام الصدوع بالتصرف بشكل مختلف عن حالته الطبيعية، وقد يُصبح هذا عنصرا مفيدا في التنبؤ العملي بالزلازل، حيث يتم تحديث الاحتمالات مع تغير الظروف، لكنه لا يسمح لنا بالتنبؤ بالوقت والموقع والشدة الدقيقة للزلزال".
ورغم ما توصلوا إليه من نتائج، يعتبر صادق أن ما تحقق ليس نهاية المطاف في هذا الاتجاه، مشيرا إلى أنه "لا تزال هناك عقبات كبيرة، منها اختبار المزيد من الزلازل، وقياس الإنذارات الكاذبة والأحداث التي لم يتم رصدها".
وعما إذا كان هناك وقت للإنذار يمكن استخلاصه من الدراسة، حتى يتم الاستعداد قبله للزلازل الكبرى، يقول إنه "لا يوجد وقت إنذار عالمي، فقد يتباين وقت التغيرات من زلزال لآخر، وفي دراستنا ظهرت أوضح التغييرات قبل نحو 8 أشهر من زلزال كهرمان مرعش بتركيا، وقبل شهر تقريبا من زلزال لاكويلا بإيطاليا، وقبل أسبوعين تقريبا من زلزال إيكويكي في تشيلي، وبالتالي، يتراوح النطاق الواقعي الذي تُشير إليه هذه الدراسة بين أسابيع وأشهر".
وعن الاختلاف بين محاولتهم ومحاولات سابقة حاولت البحث عن مؤشرات تسبق الزلازل، أوضح أن "الدراسات السابقة بحثت عن مؤشرات فردية، مثل التغيرات في معدل الزلازل أو توزيع شدتها، أما نحن، فنجمع بين العديد من الخصائص الفيزيائية والإحصائية، ونسمح للتعلم الآلي غير الخاضع للإشراف بتحديد الأنماط دون معرفة مسبقة بشكل المؤشر، كما ندرس "مجموعات" الزلازل المتفاعلة بدلا من الأحداث المنعزلة. وقد حددت هذه الطريقة أنماطا حرجة متقاربة في 3 بيئات تكتونية مختلفة تماما، مما يجعلها دليلا مُهما على صحة المفهوم، لكنها ليست بعد طريقة تنبؤ شاملة".
والخطوة المقبلة التي سيعمل عليها الفريق البحثي هي تطوير الطريقة بدمج معلومات فهرس الزلازل مع أشكال الموجات، وتشوه سطح الأرض، ورصد الانزلاقات البطيئة المحتملة، كما سيعملون قبل البدء بالاستخدام العملي لهذه الطريقة، على تحديد مستويات عدم اليقين، ومعدلات الإنذارات الكاذبة (الإيجابية والسلبية)، وإثبات إمكانية تكرار النتائج عبر شبكات الرصد المختلفة، وفهم سبب ظهور بوادر زلزالية قابلة للكشف قبل بعض الزلازل دون غيرها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة