بعد عقود من اعتماد أوروبا على عدد محدود من الجهات لإطلاق أقمارها الصناعية، نجحت شركة "إيسار إيروسبيس" (Isar Aerospace) الألمانية الناشئة في تحقيق إنجاز تاريخي، بعدما أوصل صاروخها "سبكتروم" (Spectrum) خمسة أقمار صناعية صغيرة إلى المدار، في أول إطلاق تجاري ناجح لصاروخ من داخل القارة الأوروبية.
وأقلع الصاروخ من مركز "أندويا" الفضائي في النرويج مساء السبت 5 سبتمبر/أيلول، في خطوة تمنح أوروبا قدرة إضافية على الوصول المستقل إلى الفضاء، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أقمار الاتصالات والاستطلاع والمهام العلمية.
وتأسست "إيسار" في ميونيخ عام 2018، في وقت كان قطاع الإطلاق الفضائي العالمي يتغير بسرعة مع صعود شركات خاصة، وفي مقدمتها "سبيس إكس" الأمريكية. لكن الطريق الأوروبي لم يكن سهلا؛ فقد استغرق أول اختبار إطلاق للشركة، قبل نحو 18 شهرا، 30 ثانية فقط قبل أن ينتهي بسقوط الصاروخ في الأرض.
لا يتعلق الإنجاز بمجرد إطلاق 5 أقمار صناعية، بل بامتلاك أوروبا خيارا إضافيا لإرسال حمولاتها إلى الفضاء من أراضيها. ففي عام 2025 نفذت الجهات الأوروبية سبع عمليات إطلاق ناجحة إلى المدار فقط، وجميعها انطلقت من غويانا الفرنسية في أمريكا الجنوبية، مقابل نحو 180 عملية إطلاق ناجحة من الولايات المتحدة ونحو 90 من الصين.
وأصبحت الحاجة إلى قدرات أوروبية مستقلة أكثر إلحاحا في السنوات الأخيرة، خصوصا مع الحرب الروسية في أوكرانيا وتزايد المخاوف الأوروبية من الاعتماد على الولايات المتحدة.
كما تغيرت طبيعة طلب خدمات "إيسار" نفسها؛ إذ ارتفعت حصة الطلبات المرتبطة بالدفاع من نحو 15% إلى قرابة 60% خلال عام واحد، وفقا للرئيس التنفيذي للشركة "دانيال ميتزلر".
وقال "ميتزلر" إن نجاح الإطلاق يمثل "تاريخا" جديدا، وإنه يمكن أن يسهم في تشكيل مستقبل أوروبا الإستراتيجي والاقتصادي والتكنولوجي. وأشار إلى وجود أجهزة وأقمار صناعية حول العالم تنتظر دورها للوصول إلى الفضاء بسبب محدودية عدد الشركات القادرة على تنفيذ عمليات الإطلاق.
لسنوات طويلة، هيمنت أريان سبيس على عمليات الإطلاق الأوروبية، قبل أن تغير سبيس إكس شكل السوق العالمي بصواريخها القابلة لإعادة الاستخدام وخفضها الكبير لتكاليف الإطلاق.
وفي عام 2024 أطلقت أوروبا صاروخ "أريان 6" الثقيل الجديد من غويانا الفرنسية، بعد غياب دام نحو ثلاثة عقود عن تطوير صاروخ أوروبي جديد من هذه الفئة، ونجح الصاروخ لاحقا في تنفيذ عدة مهمات للأقمار الصناعية.
لكن المشهد الأوروبي يتوسع الآن مع ظهور شركات خاصة أصغر، بينها "روكيت فاكتوري أوغسبورغ" الألمانية، و"بي إل دي سبيس" الإسبانية، و"مايا سبيس" الفرنسية. وتراهن هذه الشركات على مركبات أصغر وأكثر مرونة لتلبية الطلب المتزايد لإطلاق الأقمار الصناعية.
ويبلغ طول صاروخ سبكتروم نحو 28 مترا، وهو صاروخ من مرحلتين مصمم لإطلاق أقمار صناعية صغيرة ومتوسطة، ويمكنه حمل حمولات تصل إلى 1000 كيلوغرام. وتعتزم "إيسار" تطوير صاروخ أكبر قليلا مستقبلا لحمل حمولات أثقل وخفض تكاليف الإطلاق.
ورغم أهمية النجاح، لا تزال "إيسار" في بداية طريق طويل لمنافسة شركات إطلاق كبرى مثل سبيس إكس. لكن اللافت أن مستقبل الشركة يبدو محجوزا مسبقا؛ إذ قالت إنها تلقت طلبات تكفي طاقتها حتى نهاية عام 2028، بينما تستهدف منشأتها الجديدة في ميونيخ الوصول تدريجيا إلى إنتاج 40 صاروخا سنويا.
ويعني ذلك أن نجاح سبكتروم لا يمثل فقط انتصارا لشركة ناشئة، بل اختبارا لقدرة أوروبا على بناء سوق إطلاق تجاري أكثر استقلالا وتنوعا. وفي سباق الفضاء الحديث، لا تكفي القدرة على بناء الأقمار الصناعية؛ فالقدرة على إيصالها إلى المدار أصبحت جزءا أساسيا من السيادة العلمية والتكنولوجية.
ومن هنا تأتي قيمة هذا الإنجاز، فهو يثبت أن الاستثمار في البحث والهندسة والمخاطرة العلمية يمكن أن يحول فكرة ناشئة إلى قدرة فضائية حقيقية، ويفتح الطريق أمام جيل جديد من الابتكار والاستكشاف الأوروبي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة