آخر الأخبار

مفارقة المناخ الكبرى.. لماذا تبرد السماء بينما تحتر الأرض؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لا يعد تبريد طبقة الستراتوسفير الناتج عن ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون مجرد أثر جانبي للاحتباس الحراري، بل يمثل جزءا أساسيا من الآلية التي تزيد قوة تأثير هذا الغاز على مناخ الأرض، حسب دراسة جديدة تشير إلى أن هذا التبريد يرفع ما يعرف باسم "القسر الإشعاعي" لثاني أكسيد الكربون بنحو 50%، أي أنه يزيد كمية الطاقة التي يحتجزها النظام المناخي للأرض.

تقدم الدراسة التي نشرت يوم 11 مايو/أيار في مجلة "نيتشر جيوساينس" (Nature Geoscience) تفسيرا جديدا لظاهرة يعرفها العلماء منذ عقود، فعندما ترتفع تركيزات ثاني أكسيد الكربون تسخن الطبقات السفلى من الغلاف الجوي القريبة من سطح الأرض، بينما تبرد طبقة الستراتوسفير، وهي الطبقة الواقعة فوقها وتمتد تقريبا بين ارتفاع 10 و50 كيلومترا. وقد اعتبر هذا التبريد طويلا من أوضح البصمات التي تؤكد التأثير البشري في المناخ، لكن تفاصيله الفيزيائية لم تكن مفهومة بالكامل.

مصدر الصورة التفسير التقليدي يقول إن ثاني أكسيد الكربون يعمل كغاز دفيء (شترستوك)

لماذا تبرد الستراتوسفير مع زيادة ثاني أكسيد الكربون؟

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة شون كون، وهو باحث ما بعد الدكتوراه في مرصد لامونت-دوهيرتي للأرض في جامعة كولومبيا، إن التفسير التقليدي يقول إن ثاني أكسيد الكربون يعمل كغاز دفيء، أي إنه يحبس جزءا من الحرارة الصادرة من سطح الأرض. لكن الدراسة الجديدة توضح أن الأمر لا يتعلق فقط بزيادة سماكة الغلاف الجوي أمام الإشعاع الحراري، بل يرتبط أيضا بالخصائص الطيفية الدقيقة لثاني أكسيد الكربون، أي بالطريقة التي يمتص بها هذا الغاز الحرارة ويطلقها عند أطوال موجية معينة من الأشعة تحت الحمراء.

وباستخدام نماذج متقدمة تحاكي انتقال الإشعاع الحراري داخل الغلاف الجوي، إلى جانب حسابات طيفية دقيقة، وجد الباحثون أن زيادة ثاني أكسيد الكربون تجعل الستراتوسفير أكثر قدرة على فقدان الحرارة إلى الفضاء الخارجي. ويحدث ذلك في نطاقات محددة من الأشعة تحت الحمراء، حيث يصبح الغاز قادرا على إطلاق الحرارة بكفاءة عالية.

إعلان

يبسط كون الفكرة فيقول في تصريحات للجزيرة نت: "يمكن تخيل أن هناك جزءا معينا من الطيف الحراري يعمل كـ"نافذة مناسبة" لخروج الحرارة من الستراتوسفير إلى الفضاء. هذه النافذة ليست شديدة الإغلاق بحيث تمنع خروج الحرارة، وليست مفتوحة تماما بحيث لا يتفاعل معها الغاز، بل تقع في منطقة وسطى تسمح لثاني أكسيد الكربون بأن يطلق الحرارة بكفاءة". ويصف الباحث هذه المنطقة مجازيا باسم "عرض غولديلوكس"، أي النطاق المناسب تماما لفقدان الحرارة.

ومع ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون تتسع هذه المنطقة الطيفية الفعالة، فتفقد الستراتوسفير مزيدا من الحرارة، ومن ثم تبرد. وتوضح الدراسة أن هذا التبريد لا يحدث بالقوة نفسها في كل أجزاء الستراتوسفير، بل يزداد كلما ارتفعنا إلى أعلى هذه الطبقة. فكل تضاعف في تركيز ثاني أكسيد الكربون قد يؤدي إلى تبريد يصل إلى نحو 8 درجات كلفن قرب "الستراتوبوز"، وهي المنطقة العليا من الستراتوسفير على ارتفاع يقارب 50 كيلومترا، بينما يكون التبريد محدودا جدا قرب "التروبوبوز"، أي الحد الفاصل بين الستراتوسفير والطبقة السفلى من الغلاف الجوي.

كيف يزيد هذا التبريد قوة الاحترار؟

يرى المؤلف الرئيسي أن الأهمية الكبرى للدراسة لا تكمن فقط في تفسير سبب برودة الستراتوسفير، بل في توضيح أن هذا التبريد نفسه يزيد قوة تأثير ثاني أكسيد الكربون على المناخ. فالقسر الإشعاعي، ببساطة، هو مقدار الخلل الذي يحدث في توازن الطاقة على الأرض عندما تزيد الغازات الدفيئة؛ وكلما زاد هذا القسر زادت الطاقة المحتجزة داخل النظام المناخي، وازدادت احتمالات الاحترار.

عندما ترتفع مستويات ثاني أكسيد الكربون يمنع الغلاف الجوي جزءا أكبر من الحرارة الصاعدة من سطح الأرض من الهروب مباشرة إلى الفضاء. لكن عندما تبرد الستراتوسفير تصبح هذه الطبقة أقل قدرة على إعادة إشعاع الحرارة إلى الخارج. وبذلك لا يقتصر الأمر على أن ثاني أكسيد الكربون يحجب حرارة أكثر، بل إن الطبقة العليا التي كان يمكن أن تطلق جزءا من هذه الحرارة تصبح أبرد، فتطلق طاقة أقل؛ والنتيجة هي احتجاز مزيد من الطاقة داخل النظام المناخي.

وتشير حسابات الدراسة إلى أن هذا "التعديل الستراتوسفيري" يرفع القسر الإشعاعي لثاني أكسيد الكربون بنحو 40 إلى 60% مقارنة بالقيمة الفورية الناتجة عن زيادة تركيز الغاز وحدها. فالقسر الإشعاعي الفوري لثاني أكسيد الكربون يبلغ نحو 2.2 واط لكل متر مربع، لكنه يرتفع إلى نحو 3.4 واطات لكل متر مربع بعد أخذ تبريد الستراتوسفير في الحسبان.

وتوصل الباحثون أيضا إلى أن هذا التأثير يبقى شبه ثابت حتى مع اختلاف درجات حرارة سطح الأرض، ما يعني أن تبريد الستراتوسفير ليس تفصيلا ثانويا أو مؤقتا، بل عنصر أساسي ومستقر نسبيا في استجابة المناخ لارتفاع ثاني أكسيد الكربون. تشير الدراسة أيضا إلى أن ما يحدث مع ثاني أكسيد الكربون ليس بالضرورة قاعدة عامة تنطبق على كل الغازات الدفيئة.

ورغم أهمية النتائج، يوضح الباحثون أن الدراسة اعتمدت على نماذج مبسطة نسبيا لعزل التأثير الإشعاعي لثاني أكسيد الكربون. كما استخدمت الدراسة نماذج أحادية العمود، وهي نماذج مفيدة لفهم الفيزياء الأساسية، لكنها لا تمثل كل تعقيدات الغلاف الجوي الحقيقي مثل حركة الرياح العالمية، والسحب، والتغيرات الموسمية، والتفاعلات بين الطبقات المختلفة. كذلك لم تتناول الدراسة بالتفصيل بعض العمليات الكيميائية والديناميكية التي قد تؤثر في الستراتوسفير مثل تأثير تغير الحرارة على كيمياء الأوزون، أو تغير دوران الهواء في هذه الطبقة.

إعلان

ومن حيث التمويل حصل البحث على دعم من المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم عبر عدة منح بحثية في علوم الغلاف الجوي، كما أشار الباحثون إلى مساهمات علمية من زملاء قدموا ملاحظات ومراجعات أثناء إعداد الدراسة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار