آخر الأخبار

لغز البحر الميت "الأخضر".. ما الذي غير لونه بهذا الشكل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

للوهلة الأولى قد يبدو تغير لون البحر الميت بعد العواصف المطيرة التي شهدتها المنطقة مؤخرا لغزا طبيعيا، لكن الحقيقة التي تكشف عنها دراسات علمية، بالإضافة إلى خبير تحدث للجزيرة نت، أننا أمام تغير مؤقت حدث في أحد أكثر بحار العالم غرابة، بسبب مياه السيول التي أنتجت تفاعلات بيئية وكيميائية، تسببت في تغير ملحوظ في لون المياه إلى درجات مائلة للأخضر والبني.

ورصدت صور الأقمار الاصطناعية، بالإضافة إلى مشاهدات حية، هذا التغير اللافت في لون مياه البحر الميت، والذي جاء متزامنا مع تأثر المنطقة بحالة مطرية بدأت في 18 مارس/آذار، تسببت في اندفاع السيول المحملة بالطمي والمغذيات لتختلط المياه العذبة بمياه تعد هي الأكثر ملوحة على وجه الأرض.

ويقول أستاذ الفيزياء البحرية بالمعهد القومي لعلوم البحار بمصر الدكتور أحمد رضوان للجزيرة نت إنه "بمجرد وصول السيول القادمة من الجبال والوديان محملة بكميات هائلة من الطمي والرواسب الدقيقة إلى المياه شديدة الملوحة، لا تترسب هذه الجزيئات سريعا كما يحدث في البحار العادية، بل تبقى معلقة لفترات أطول بفعل الكثافة العالية للمياه، ما يؤدي إلى زيادة العكارة وتحول اللون من الأزرق الصافي إلى درجات بنية أو صفراء لافتة".

مصدر الصورة إلى اليمين، البحر الميت بعد تدفق كميات كبيرة من مياه الفيضانات والرواسب (القمر الصناعي تيرا)

تأثيرات إضافية في بحر شديد الملوحة

غير أن هذا التأثير المباشر ليس هو التأثير الوحيد، حيث تتسبب طبيعة مياه البحر الميت شديدة الملوحة، التي تبلغ ما يقارب 10 أضعاف البحار العادية، في حدوث سلسلة من العمليات الفيزيائية والكيميائية عند اختلاطها بمياه الأمطار العذبة، كما يوضح الدكتور أحمد.

ويضيف: "ملوحة مياه البحر الميت الشديدة تجعلها مختلفة تماما في التركيب عن مياه البحار الأخرى، حيث تتميز بتركيز عال جدا من أملاح المغنيسيوم والبوتاسيوم، وهذا من شأنه أن يتسبب في كثافة عالية جدا، حيث يكون الماء ثقيلا جدا، ولزوجته تكون أعلى من المياه العادية".

إعلان

ولا تمتزج مياه السيول العذبة فورا مع هذه المياه شديدة الملوحة والكثافة، لكن يحدث ما يعرف بـ"التطبق"، ويعني أن الماء العذب (الأخف) يبقى في الأعلى، وشديد الملوحة (الأثقل) يبقى في الأسفل، وبينهما منطقة انتقالية تسمى "الهالوكلاين".

ويضيف أحمد أن ما يحدث فيزيائيا وكيميائيا داخل هذه الطبقات يمهد لتأثيرات لونية يمكن أن تلحظها العين، حيث يحدث إعادة توزيع الأملاح، فبعضها يذوب ويتحرك بين الطبقات، وبعضها قد يترسب ويهبط إلى القاع، وهذا يغير التركيب الكيميائي لكل طبقة، لتبدأ تفاعلات كيميائية جديدة عند التقاء الماء العذب بالمحلول الملحي، تكون من نتيجته تكون مركبات جديدة وتغير في درجات الحموضة وتغير في توازن الأيونات، ويصاحب ذلك أن الماء العذب يجلب أكسجينا مذابا ومواد عضوية، وهذا يخلق بيئة مختلفة تماما عن الأعماق الخانقة للبحر الميت.

ثلاثة أسباب لتغير اللون

وتقود هذه التغيرات الكيميائية والفيزيائية لثلاثة أسباب تؤدي إلى تغير اللون، أولها هو حدوث "تشتت الضوء"، فكل طبقة من الطبقات التي تكونت يكون لها كثافة مختلفة وتركيز أملاح مختلف، والضوء ينكسر ويتشتت بشكل مختلف في كل طبقة، فتظهر ألوان غير معتادة، كما أن الطبقات تعمل كأنها عدسات تغير مسار الضوء، فتعطي تأثيرات لونية متداخلة، وأخيرا فإن الطبقة العلوية الأخف ملوحة تكون بيئة خصبة لنمو الكائنات الدقيقة، وتسمح بظهور طحالب وبكتيريا تضيف ألوانا (أحمر – أخضر – وردي).

وتناولت العديد من الدراسات هذه التأثيرات اللونية عند اختلاط مياه عذبة بمياه البحر الميت، ومنها دراسة قديمة نشرت قبل 41 عاما بدورية "إف إي إم إس مايكروبايولوجي لترز" (FEMS Microbiology Letters)، حيث قام الباحثون بمحاكاة الظروف الطبيعية للبحر الميت، من خلال إنشاء أحواض تجريبية خارجية تحتوي على خليط من مياهه شديدة الملوحة ومياه أقل ملوحة، لدراسة تأثير التغيرات البيئية على نمو الكائنات الدقيقة.

وأظهرت النتائج أن عنصر الفوسفات يلعب دورا حاسما في تحفيز النمو الكثيف لكل من الطحالب الخضراء "دونالييلا" والبكتيريا المحبة للملوحة ذات اللون الأحمر.

وبينت الدراسة أن هذا النمو لا يحدث إلا عند تخفيف ملوحة مياه البحر الميت بنسبة تتراوح بين 25% و35%، وهو ما يشبه تماما ما يحدث في الطبيعة عند تدفق مياه الأمطار والسيول إلى البحر. كما لاحظ الباحثون أن درجات الحرارة المنخفضة نسبيا (بين 14 و17 درجة مئوية) تسمح أيضا بحدوث ازدهار واسع، وإن كان بمعدلات نمو أقل.

وأشارت النتائج إلى أن بعض المواد العضوية مثل الغلوكوز والغليسرين، إضافة إلى نواتج الطحالب نفسها، يمكن أن تعمل كمصادر غذائية تدعم هذا النمو الميكروبي، ما يخلق سلسلة بيئية متكاملة تبدأ بدخول المغذيات وتنتهي بظهور تجمعات حيوية كثيفة تغير لون المياه.

وكشفت دراسة ثانية نشرتها دورية "سدمينتولوجي" (Sedimentology) عن تأثير المياه العذبة في إعادة تشكيل توزيع الأملاح في البحيرات شديدة الملوحة مثل البحر الميت.

وتوضح الدراسة كيفية تكون "الرذاذ المخفف العائم" عند دخول المياه العذبة، وتوزعه أفقيا وعموديا، مما يؤثر على ترسيب أملاح البحر الميت وتكوين الطبقات المائية المختلفة.

إعلان

وترتبط هذه النتائج مباشرة بظاهرة تغير لون مياه البحر الميت بعد هطول السيول الغزيرة، فعندما تجرف السيول المياه العذبة والطمي من الجبال والوديان المحيطة إلى البحر، تتكون طبقة سطحية رقيقة مخففة الملوحة، هذه الطبقة تمنع ترسيب الأملاح على السطح، بينما يبدأ الترسيب تدريجيا في الأعماق، ما يغير شفافية المياه ولونها، ويجعلها أحيانا بنية أو مائلة للصفرة.

تأثير مؤقت

ورغم أن بعض البحار المفتوحة قد تتعرض لدخول مياه عذبة محملة بالرواسب خلال فترات هطول الأمطار، إلا أن أحمد يشير إلى أنها أكبر وأعمق بكثير من البحر الميت، لذا فإن أي كمية مياه عذبة تدخلها (من الأنهار أو السيول) تختلط بسرعة مياهها، ولا تكون طبقة سطحية واضحة ومركزة، كما أن الأملاح في البحار أقل تركيزا من البحر الميت (أقل عشر مرات)، لذلك يكون تأثير تخفيف الملوحة على لون الماء ضعيفا جدا، وأخيرا، فإن حركة الأمواج والتيارات السطحية في تلك البحار توزع المياه الجديدة بسرعة، فلا يتكون رذاذ مخفف كما في البحيرة المغلقة شديدة الملوحة.

ومع ذلك، يؤكد أحمد أن التأثير في البحيرات المغلقة مثل البحر الميت يكون مؤقتا، ويعود لون البحر إلى حالته المعتادة خلال أيام أو أسابيع.

ويقول إنه "مع مرور الوقت، تختلط المياه العذبة المخففة بالمياه المالحة القديمة، فتعود الملوحة إلى مستوياتها العالية، وتختفي الطحالب من السطح عندما ترتفع الملوحة مرة أخرى، كما أن جزيئات الطمي تترسب على القاع أو تُنقل بفعل الرياح".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار