في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في حياتنا العادية نقول إن الشخص الذي نشأ في ظروف صعبة وقاسية يصبح أكثر قدرة على مواجهة أزمات الحياة بسهولة قد لا تتوفر لغيره ممن لم ينشأ في الظروف نفسها، وكذلك النباتات التي تعيش في بيئة الصحراء، وهي الحقيقة التي أكدتها دراسة لفريق بحثي من جامعة قرطاج، تناولت القدرات العلاجية ل أربعة نباتات من قلب الصحراء في جنوب تونس.
وتقول باحثة ما بعد الدكتوراه بالمعهد العالي للعلوم والتكنولوجيا البيئية بجامعة قرطاج، والباحثة الرئيسية في الدراسة الدكتورة رؤى بن إبراهيم للجزيرة نت إن "النباتات الصحراوية تتعرض لظروف بيئية قاسية، كدرجات الحرارة القصوى والجفاف والإشعاع فوق البنفسجي العالي، وغالبا ما تحفز هذه العوامل المسببة للإجهاد إنتاج مستقلبات ثانوية فريدة كجزء من آليات دفاعها، ونتيجة لذلك، قد تنتج هذه النباتات مركبات مضادة للميكروبات ذات تنوع بنيوي، وربما تكون أكثر فعالية من تلك الموجودة في النباتات التي تنمو في بيئات أكثر اعتدالا".
وقامت رؤى ورفاقها في البحث المنشور بدورية "جورنال أوف بروتيوميكس" (Journal of Proteomics)، بدراسة نباتات "القتاد المسلح" (أستراغالوس أرماتوس)، ونفل الرمال (أنثليس سيريسيا)، والعوفيص (جينستا ميكروسيفالا)، ورانتيوم ذ ي الرائحة العطرة (رانتيريوم سوافيولينز)، بهدف تحليل التنوع الجزيئي في أجزاء النباتات المختلفة (الجذور، والأوراق، والبذور)، وتقييم النشاط البيولوجي لمستخلصات النباتات، خاصة النشاط المضاد للبكتيريا والفطريات، وتحديد جزيئات نشطة محددة مثل البروتينات أو الببتيدات التي يمكن تطويرها كمضادات ميكروبات مستقبلية.
واستخدم الباحثون لتحقيق هذه الأهداف عد ة تقنيات متطورة منها "مطياف الكتلة بالتأين بمساعدة الليزر والمصفوفة"، وهي تقنية متطورة تعتمد على الليزر، تمكن العلماء باستخدامها من رسم "بصمة جزيئية" دقيقة للنباتات الصحراوية، كاشفين عن مئات الجزيئات الصغيرة التي قد تمثل خط الدفاع القادم ضد البكتيريا والفطريات المقاومة للأدوية.
كما تم استخدام تقنية تحليل متقدمة تجمع بين الكروماتوغرافيا السائلة ومطياف الكتلة، وذلك بهدف الفصل الكيميائي والتعرف الجزيئي، وتمكن الباحثون بواسطة ذلك من تحديد "الفاعلين الحقيقيين" داخل النباتات، كاشفين عن بروتينات محددة تقف وراء قدرتها على محاربة الفطريات والبكتيريا.
ولم يكتفِ الباحثون بتحليل مكونات النباتات، بل وضعوها في مواجهة مباشرة مع بكتيريا وفطريات خطيرة، لتكشف النتائج عن قدرة بعض هذه المستخلصات على كبح نمو مسببات الأمراض، في خطوة تقربها من أن تكون أساسا لمضادات ميكروبات جديدة.
وتقول د. رؤى إن "هذه التقنيات مجتمعة عملت على تسريع عمل ي ة الاكتشاف للمركبات الدوائية الجديدة، من خلال تمكين التحليل السريع والحساس للعينات البيولوجية المعقدة، كما سمحت بالكشف عن مجموعة واسعة من الجزيئات وتوصيفها".
وأسفر استخدام هذه التقنيات عن اكتشاف تنوع جزيئي غير مسبوق داخل نباتات الصحراء التونسية، حيث أظهرت التحليلات وجود مئات الببتيدات المختلفة التي تتباين بشكل واضح بين الأنواع وأجزاء النبات، مع تفوق لافت للبذور باعتبارها الأغنى بهذه المركبات الدفاعية، كما توضح.
والببتيدات، هي سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية مرتبطة ببعضها بروابط ببتيدية، وهي الوحدة الأساسية التي تشكل البروتينات، وسجل نبات "أستراغالوس أرماتوس"، أعلى عدد منها بـ564 جزيئا، يليه "أنثليس سيريسيا" بـ401، ثم "جينستا ميكروسيفالا" بـ398، بينما بلغ العدد في "رانتيريوم سوافيولينز" نحو 300 ببتيد، في مؤشر قوي على أن هذه النباتات تمثل "خزائن كيميائية" غنية قد تحمل مفاتيح تطوير جيل جديد من المضادات الحيوية.
كما أظهرت الاختبارات البيولوجية أن جميع النباتات محل الدراسة تمتلك نشاطا متفاوتا في مقاومة البكتيريا والفطريات، ما يعكس تنوعا في قدراتها الدفاعية الطبيعية، غير أن النتائج سلطت الضوء بشكل خاص على جذور "أستراغالوس أرماتوس"، التي أبدت فعالية قوية في تثبيط نمو فطر "الرشاشيات الدخناء"، وهو فطر شائع في البيئة يمكن أن يسبب التهابات خطيرة في الرئتين، خاصة لدى الأشخاص ضعيفي المناعة.
ولم تتوقف النتائج عند حدود رصد النشاط المضاد للميكروبات، بل ذهبت إلى خطوة أبعد لكشف الآليات الكامنة وراء هذه الفعالية، فبعد أن أظهرت جذور (أستراغالوس أرماتوس)، أن لديها قدرة قوية على تثبيط نمو فطر "الرشاشيات الدخناء"، نجح الباحثون في تحديد مجموعة من البروتينات المسؤولة عن هذا التأثير.
وتبين أن النبات يعتمد على منظومة دفاعية متكاملة، تضم بروتين "إندوكيناز 2″، القادر على تفكيك جدار الخلايا الفطرية، وعائلة "بروتين شبيه بالثوماتين" التي تعيق نمو الفطريات وتحد من انتشارها، إلى جانب إنزيم "بيروكسيداز"، الذي يعزز مقاومة الإجهاد التأكسدي ويدعم الاستجابة الدفاعية للنبات.
ورغم أن هذه البروتينات تُظهر إمكانات واعدة كمضادات للفطريات، إلا أن رؤى تؤكد أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتقييم فعاليتها وسلامتها قبل تطويرها إلى علاجات ضد مسببات الأمراض مثل الرشاشية الدخانية.
وعن أسباب تفوق البذور في كمية المركبات الدفاعية، تشير رؤى إلى أن السبب يرجع على الأرجح إلى كونها أعضاء تخزين، يجب أن تضمن بقاء الجيل التالي، لذلك فهي تُراكم مجموعة واسعة من الجزيئات الواقية، بما في ذلك المركبات المضادة للميكروبات، للدفاع ضد مسببات الأمراض والإجهاد البيئي، ويكشف ذلك عن أن البذور قد تكون بالفعل مصدرا واعدا لاكتشاف عوامل جديدة مضادة للميكروبات.
وتمثل تلك النتائج التي رصدها الباحثون في دراستهم خطوة واحدة من بين عد ة خطوات لتوظيف النباتات الصحراوية في إنتاج أدوية.
وتقول د. رؤى إن الخطوات التالية نحو التطبيقات الطبية العملية تشمل عزل المركبات المحددة وتنقيها، يليها إجراء اختبارات مخبرية وحيوانية لتقييم نشاطها المضاد للميكروبات، وسميتها، وآليات عملها.
وتضيف: "إذا كانت النتائج واعدة، فقد يؤدي ذلك إلى تطوير مركبات جديدة مضادة للبكتيريا والفطريات، يمكن استخدامها في تجارب سريرية".
وتمر هذه التجارب السريرية بثلاث مراحل على البشر للتأكد من السلامة والفعالية، وإذا كانت نتائجها إيجابية، يتم وضع نتائج كل هذه الاختبارات أمام الجهات التنظيمية ل إ صدار موافقة بإنتاج دواء من هذه المركبات على نطاق صناعي وتسويقه للمرضى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة