آخر الأخبار

250 دولارا للنملة.. لماذا أصبح "الحاصد الإفريقي" كنزا للمهربين؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في مارس/آذار الحالي، أعلنت السلطات الكينية إحباط محاولة لتهريب أكثر من 2000 نملة من نوع "الحاصد الإفريقي"، كانت مخبأة بعناية داخل أنابيب اختبار ولفافات مناديل ضمن أمتعته.

ولأن النمل من الكائنات المعتاد رؤيتها في البيئة، قد يتساءل من يتابع هذه الأخبار بحيرة بالغة: هل هذا الكائن يستحق تلك المخاطرة، ولماذا أصلا يتم تهريبه إلى الخارج؟

جامع البذور

لنبدأ بالتعرف على هذا النوع من النمل، الذي يتواجد بشكل خاص في البيئات الجافة وشبه الجافة في قارة أفريقيا، ويشتهر بجمع البذور من سطح الأرض ونقلها إلى أعشاشه لتخزينها واستهلاكها لاحقا.

تبني هذه النملة مستعمرات منظمة تحت الأرض، وتخرج عاملاتها في مسارات بحث دقيقة لالتقاط الحبوب والبذور وأحيانا أجزاء نباتية أخرى، ثم تعود بها إلى حجرات التخزين داخل العش.

ولا تقتصر أهمية نملة الحاصد الأفريقي على سلوكها المثير، بل تمتد إلى دورها البيئي أيضا. فجمعها للبذور يؤثر في توزيع النباتات وتنوعها، كما أن حفرها للأعشاش وتحريكها للتربة يسهمان في تهويتها وإعادة توزيع المواد الغذائية فيها.

ولهذا يرى باحثون أن نمل الحاصد يمكن أن يترك آثارا مباشرة وغير مباشرة في بنية المجتمعات النباتية ووظائف النظام البيئي، خاصة في البيئات الجافة حيث تكون البذور موردا حاسما للحياة. باختصار، هذه النملة تبدو صغيرة، لكنها تمارس على الأرض من حولها أثرا أكبر بكثير من حجمها.

ويقول الدكتور عمرو عبد السميع، أستاذ الحشرات بكلية العلوم في جامعة القاهرة للجزيرة نت، إنه بطبيعة الحال ليست كل نملة لها قيمة تشجع هؤلاء المهربين على المخاطرة، مشيرا إلى أنهم يستهدفون في الأساس أنواع "النمل النادر".

وعلى رأس قائمة النمل النادر يأتي "الحاصد الإفريقي"، إلى جانب أنواع أخرى مثل الحاصد المتوسطي، والقاطع للأوراق، والفخي، والجندي الآسيوي، والعسلي، والرصاصة المعروف بلدغته المؤلمة، والنمل العملاق من جنس (كامبونوطس)، وأخيرا الناري الأحمر، الذي يعد أيضا من أخطر الأنواع الغازية في العالم.

مصدر الصورة الحاصد الإفريقي يوصف بأنه أحد أكثر المجتمعات الحيوانية تنظيما (شترستوك)

نشأة سوق عالمية

ويوضح عمرو أنه "خلال العقد الأخير، ظهرت هواية غريبة، آخذة في الانتشار عالميا، وهي تربية النمل، إذ يحتفظ الهواة بمستعمرات كاملة داخل أحواض زجاجية خاصة تُسمى "الفورميكاريوم" (Formicarium) أو "مربيات النمل"، حيث يمكن مراقبة مجتمع النمل وهو يبني أنفاقه وينظم حياته الاجتماعية المعقدة".

إعلان

ومع ازدياد الاهتمام بهذه الهواية في أوروبا والصين وفيتنام واليابان، بدأت تظهر سوق عالمية لبيع النمل النادر. ويقول الباحث: "هناك أكثر من 500 نوع يتم تداوله عالميا في سوق الحيوانات الأليفة غير التقليدية، وتعتمد هذه التجارة بشكل كبير على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي".

ومن بين آلاف الأنواع المتداولة، هناك نوع واحد أصبح نجما في هذه السوق، وهو النمل الحاصد الإفريقي العملاق، الذي يعيش في شرق إفريقيا، ويُعرف بحجمه الكبير مقارنة بمعظم أنواع النمل، وقد يصل طول الملكة إلى 2-2.5 سنتيمتر، وتستطيع تأسيس مستعمرة تضم آلاف العمال، ما يجعلها هدفا رئيسيا لهواة تربية النمل.

ويستطرد: "لكن ما يجعلها أكثر جذبا للهواة هو سلوكها الاجتماعي المعقد وقدرتها على بناء مستعمرات متطورة، وهي خصائص تجعلها أحد أكثر المجتمعات الحيوانية تنظيماً على الأرض".

مصدر الصورة خلال العقد الأخير، ظهرت هواية غريبة، آخذة في الانتشار عالميا، وهي تربية النمل (شترستوك)

أرقام لا تصدق

ومن أجل الاستمتاع بمراقبة هذا النمل، فإن أسعاره وصلت إلى أرقام لا تصدق، فالشحنة المضبوطة في مطار كينيا مؤخرا، تقدر محليا ببضعة آلاف من الدولارات، لكن بمجرد وصولها إلى أوروبا أو آسيا تتضاعف القيمة بشكل كبير.

ويصل سعر ملكة النمل الواحدة على أحد المواقع البولندية إلى "979.90 زلوتي بولندي" (نحو 250 دولارا)، وهذا يعني أن شحنة تضم بضعة آلاف من الملكات يمكن أن تتحول إلى تجارة تساوي مئات آلاف الدولارات، وربما أكثر من مليون دولار في بعض الحالات.

ورغم أن تجارة النمل تبدو غريبة، فإن البيانات تشير إلى أنها جزء من سوق أوسع للحيوانات الأليفة غير التقليدية، حيث رصدت دراسة سويسرية وجود 138 متجرا إلكترونيا يبيع النمل كحيوانات أليفة حول العالم، وتشير دراسة صينية إلى أنه تم رصد نحو 59 ألف عملية بيع لمستعمرات النمل في الصين وحدها عبر الإنترنت، وتشمل هذه التجارة أكثر من 200 نوع من النمل يتم بيعها للهواة.

تحول كبير في سوق التهريب

وبينما تبدو هذه السوق صغيرة مقارنة بتجارة الحيوانات التقليدية، فإن الخبراء يرون أنها تنمو بسرعة، ويقسم عمرو خريطة تجارة النمل العالمية إلى ثلاث مناطق رئيسية:


* أولا: دول المصدر، وهي الدول التي تحتوي على تنوع بيولوجي غني بأنواع النمل النادرة، وغالبا ما تكون في المناطق الاستوائية أو الصحراوية، وأبرزها كينيا، وإثيوبيا، وتنزانيا، ومدغشقر، والبرازيل، وإندونيسيا، وأستراليا، حيث يتم جمع الملكات مباشرة من البرية خصوصاً خلال موسم رحلات التزاوج، وغالبا ما تُباع لوسطاء بأسعار منخفضة قبل تهريبها إلى الأسواق العالمية بأسعار أعلى بكثير.
* ثانيا: دول العبور، حيث لا ينتقل النمل مباشرة من بلد المصدر إلى المشتري النهائي، بل تمر عبر دول وسيطة تستخدم كمراكز للتجارة، ومن هذه المراكز تايلاند، وسنغافورة، وهولندا، وهي دول تمتلك موانئ ومطارات دولية ضخمة، إضافة إلى نشاط كبير في التجارة الإلكترونية للحيوانات الغريبة.
* ثالثا: الدول المستوردة، وهي الدول الصناعية التي ينتشر فيها هواة تربية النمل، وأهمها ألمانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وهولندا، والولايات المتحدة، والصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، حيث يقوم الهواة بشراء الملكات لبناء مستعمرات في أحواض زجاجية تسمى "الفورميكاريوم".
إعلان

ووفق تقرير لشركة الأبحاث السوقية والاستشارات التجارية "ماركت إنتيلو" (Market Intelo)، فإن حجم سوق أحواض تربية النمل عالميًا وصل إلى نحو 210 ملايين دولار في 2024، ويتوقع نموه ليصل إلى حوالي 495 مليون دولار بحلول عام 2033، وهو رقم يعكس حجم الطلب المتزايد على هذه الهواية.

خطر بيئي

وما يقلق السلطات البيئية هو أن تهريب النمل قد يكون مؤشرا على تحول أكبر في تجارة الحياة البرية؛ فبدلا من الحيوانات الكبيرة مثل الأفيال ووحيد القرن، بدأت شبكات التهريب تستهدف الكائنات الصغيرة الأقل لفتًا للانتباه.

وتشير التحقيقات في قضايا التهريب التي كشفتها السلطات في عدة دول، أبرزها كينيا، إلى أن تجارة النمل باتت تعتمد نموذج عمل منظما يشبه إلى حد كبير شبكات تهريب الحيوانات النادرة. تبدأ العملية عادة بجمع ملكات النمل من البرية خلال موسم التزاوج، حين تخرج الملكات لتأسيس مستعمرات جديدة، ما يجعلها الهدف الأكثر قيمة بالنسبة للمهربين.

بعد ذلك تُحفظ الملكات في أنابيب اختبار صغيرة تحتوي على قطن رطب للحفاظ على الرطوبة والغذاء، وهي طريقة تسمح بإبقائها حية لأسابيع وربما لشهرين أثناء النقل. ثم تُهرب هذه الأنابيب عبر المطارات مخبأة داخل حقائب السفر أو الطرود البريدية.

ومع ما قد يبدو غريبا من بذل الحكومات جهودا كبيرة لحماية حشرات صغيرة، فإن عمرو يؤكد أن النمل يلعب دورا أساسيا في النظم البيئية، فهو -كما أسلفنا- يهوي التربة عبر حفر الأنفاق وبناء الحجرات الداخلية، وهو ما يساعد على تحسين نفاذ الماء والهواء إلى الطبقات السفلى، ويهيئ ظروفا أفضل لجذور النباتات والكائنات الدقيقة التي تعيش في التربة.

كذلك ينقل البذور من مكان إلى آخر، فيسهم -عن قصد أو دون قصد- في إعادة توزيع الغطاء النباتي، وقد يساعد بعض الأنواع النباتية على الانتشار أو إيجاد مواضع أنسب للإنبات.

وإلى جانب ذلك، يشارك في تفكيك بقايا المواد العضوية وإعادة تدويرها داخل التربة، بما يعزز خصوبتها على المدى الطويل.

لذلك فإن جمع أعداد كبيرة من الملكات من البرية لا يعني فقط خسارة أفراد منفردين، بل قد يعني حرمان البيئة من مستعمرات كاملة كان يمكن أن تؤدي هذه الوظائف لسنوات، وهو ما قد ينعكس على توازن دقيق لا يظهر أثر اختلاله بسرعة، لكنه يتراكم مع الزمن.

وإلى جانب استنزاف النمل من موطنه الأصلي، يبرز خطر آخر أكثر تعقيدا، وهو خطر نقله إلى بيئات جديدة لا ينتمي إليها طبيعيا، كما يوضح عمرو.

فحين تُدخل هذه الأنواع إلى مناطق مختلفة، قد لا تبقى مجرد كائنات غريبة محدودة الأثر، بل قد تتحول إلى أنواع غازية تنافس الأنواع المحلية على الغذاء والمأوى، وتربك الشبكات البيئية القائمة، وربما تقضي على حشرات أو كائنات أضعف لم تتطور أصلا لمواجهة هذا الوافد الجديد.

والمشكلة أن الكائن الغازي لا يسبب الضرر فقط لأنه موجود، بل لأنه يدخل منظومة لم تُصمم لتستوعبه، فيكسر العلاقات القديمة بين المفترسات والفرائس، وبين الحشرات والنباتات، وبين التربة وكائناتها المجهرية.

ولهذا فإن التاريخ البيئي مليء بأمثلة لحشرات نُقلت من موائلها الأصلية بدافع التجارة أو الزينة أو الاستخدام البشري، ثم تحولت لاحقا إلى آفات مدمرة يصعب احتواؤها. ومن هنا، فإن التعامل مع هذا النمل بوصفه مجرد سلعة قابلة للجمع والنقل قد يخفي وراءه عواقب بيئية أوسع بكثير مما يبدو للوهلة الأولى.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار