آخر الأخبار

من العطش إلى الغرق.. المغرب العربي على "حد السكين" بين مناخين متناقضين

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في مشهد تحول سريع ومفاجئ من فترة جفاف طويلة نسبيا إلى أمطار طوفانية، شهدت مناطق واسعة في المغرب وتونس مؤخرا فيضانات مدمرة أدت إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة.

فقد غمرت الفيضانات مدنا مغربية عدة، خاصة في شمال البلاد مثل مدينتي تطوان والقصر الكبير، كما عاشت تونس بدورها تحت وطأة أمطار استثنائية، حولت شوارع العديد من مدن الشمال الشرقي للبلاد إلى أنهار جارفة، ولم تسلم منها المناطق التي ظن سكانها أن سنوات الجفاف قد أبعدت عنهم شبح السيول إلى الأبد.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مدافن النفايات النووية هل تكون السلاح الأخير في معركة المناخ؟
* list 2 of 2 رحلة عودة إلى الجنة البركانية.. سلاحف فلوريانا العملاقة تبعث من جديد في موطنها الأصلي end of list

العلاقة بين ما وقع والتغيرات المناخية التي تزيد من تواتر الظواهر المناخية شديدة التقلب ليست بحاجة إلى مزيد من التأكيد، فقد أظهرت دراسات علمية سابقة أن عاملا إضافيا له دور في زيادة حدة هذه الظواهر، وهو الجفاف.

هذه المشاهد المتزامنة، من المحيط الأطلسي حتى تخوم الصحراء الليبية، التي شهدت كارثة فيضانات "درنة" وقضى فيها الآلاف عام 2023، تطرح سؤالا محوريا: كيف تحولت المنطقة من "عطش تاريخي" إلى "غرق طوفاني" بين عشية وضحاها؟

المفارقة التي تفرض نفسها بحدّة هي أن هذه الفيضانات جاءت بعد سنوات طويلة من الجفاف القاسي، الذي أنهك المغرب العربي وأفرغ خزاناته المائية، ففي المغرب مثلا وصلت نسبة الملء في بعض السدود إلى مستويات متدنية جدا، فيما عانت تونس والجزائر من شح مائي ألحق أضرارا جسيمة بالقطاع الفلاحي.

مصدر الصورة مشهد من الفيضانات التي غمرت قرية لكفيفات غربي المغرب في الأسابيع الماضية (وكالة الأناضول)

المغرب العربي على حافة "خلية هادلي"

لفهم هذا الانقلاب المفاجئ للظروف المناخية من القحط إلى الطوفان، يجب العودة إلى الديناميكيات الكوكبية. وبحسب الأستاذ بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان شمالي المغرب ومدير شبكة المناخ والبيئة في اتحاد الجامعات المتوسطية الدكتور عادل صالحي، فإن منطقة المغرب العربي تتميز بموقع جغرافي استثنائي، إذ تقع على "حد السكين" بين مناخين متناقضين.

إعلان

فهذه المنطقة تقع بين الصحراء الجافة جنوبا والمناخ المتوسطي الرطب شمالا، بل تحكمها "خلية هادلي"، وهي دورة جوية عملاقة يرتفع فيها الهواء عند خط الاستواء مشكلا الأمطار، ثم يهبط جافا عند خطوط العرض شبه الاستوائية مشكلا أكبر صحاري العالم.

المشكلة أن هذه الخلية لا تقف ساكنة، كما يقول الصالحي، فالأبحاث تُظهر أن حافّتها ليست ثابتة، بل هي متذبذبة ويمكنها أن تتحرّك شمالا أو جنوبا بمقدار درجتين إلى أربع درجات عرض، وعلى مدى أربعين عاما، زحف الفرع الهابط الجاف من الخلية شمالا، بمقدار يتراوح بين نصف درجة ودرجتين ليغطي مساحات أوسع من المنطقة، وهو ما يفسر سنوات الجفاف المتتالية.

لكن الاحترار المناخي لا يوسع نطاق الجفاف فحسب، بل يكثف الدورة الهيدرولوجية أيضا، بحيث يحمل الهواء الذي أصبح أكثر دفئا كميات هائلة من بخار الماء، وعندما ينهار هذا النظام أو يتذبذب بسبب ظواهر مثل "النينيو" أو التذبذب القطبي الشمالي، يتسبب في هطول أمطار طوفانية في وقت قصير.

مصدر الصورة مدينة درنة الليبية شهدت فيضانات مدمرة عام 2023 (الألمانية)

ويتوقع الدكتور صالحي أن هذا النمط المتذبذب بين جفاف طويل وأمطار طوفانية مفاجئة سيزداد تواترا وحدّة في العقود القادمة، وأن ينزاح الضغط المرتفع شبه الاستوائي شمالا بمقدار درجة ونصف درجة إضافية بحلول نهاية القرن الحالي.

هذا يعني أن المغرب العربي سيعيش بشكل دائم على هذه الحافّة المتذبذبة، إذ إن كلّ تأرجح بسيط في خلية هادلي يمكن أن يعني التحول من جفاف قاتل إلى فيضان مدمّر أو العكس. هذا التذبذب الحاد هو المستقبل، مما يجعل دول المنطقة تعيش على الحد الفاصل بين مناخين متصارعين.

عندما تنسى التربة كيف تشرب

ينظر عادة إلى الجفاف على أنه مجرد نقص في مياه الأمطار، لكن للأزمة أثرا جيولوجيا خفيا كشفه العلم حديثا، فـ"هناك تحول صامت يحدث تحت أقدامنا، التربة نفسها تتغيّر"، كما يقول الباحث المغربي، فهي تفقد أثناء شهور الجفاف الطويلة بنيتها الداخلية المساميّة التي تسمح لها بامتصاص المياه وتخزينها.

والنتيجة تربة متصلّبة عاجزة عن القيام بوظيفتها الأساسية، فقد نسيت التربة حرفيا كيف تشرب، كالإسفنجة عندما تجفّ تماما وتتصلّب، فإنها لا تمتصّ الماء عند أوّل تعرّض له، بل تصدّه وتدفعه بعيدا. الأمر نفسه يحدث للتربة الزراعية والطبيعية بعد جفاف طويل.

مصدر الصورة تذبذب الحافة الشمالية لخلية هادلي (الجزيرة)

وتشير الدراسات المتخصصة، ومنها بحث منشور في مجلة "نيتشر ساينتفيك داتا" عام 2025، إلى أن "22% من منطقة الريف والأطلس المتوسط (في المغرب) تقع في مناطق تعرية عالية جدا"، وهو وضع لا يختلف كثيرا في السلاسل الجبلية التونسية والجزائرية.

وعلى المستوى الإقليمي، تظهر بيانات دراسة أخرى قادها صالحي حول مخاطر انجراف التربة في شمال أفريقيا أن الوضع أكثر خطورة مما كان متصورا، فقد كشفت الدراسة أن 15% من المناطق في عموم شمال أفريقيا معرضة حاليا لخطر انجراف متوسط إلى مرتفع، مقارنة بـ7% فقط في عام 2002".

هذا التضاعف في نسبة الخطر في عقدين فقط مرده إلى تردي حالة التربة والضغط العمراني. وتشير تحليلات علمية حديثة أخرى حول تأثير الجفاف على التربة في المنطقة إلى أن التعاقب السريع بين فترات الجفاف الطويلة والتساقطات المطرية الشديدة يؤدي إلى تدهور بنية التربة، مما يقلل من قدرتها على الترشيح ويزيد من حدة الجريان السطحي.

إعلان

وبسبب ما سبق، فعندما هطلت الأمطار الغزيرة بكميات كبيرة في مناطق عديدة من المغرب وتونس، لم تجد التربة المتعطشة لتستوعبها، بل تحولت الأودية الجافة فورا إلى سيول طينية كاسحة، جارفة معها أطنان الأتربة والوحل.

مصدر الصورة رسم بالذكاء الاصطناعي يوضح كيف يساهم الجفاف في تصلب التربة مما ينتج عنه فيضانات (الجزيرة)

الكوارث ليست قدرا

إن توفر التفسير العلمي لا يبرئ ذمة التخطيط البشري، فالكوارث التي نسميها "طبيعية" هي في حقيقتها نتاج تفاعل بين قوى الطبيعة وهشاشة البنية التحتية. ففي درنة عام 2023، كان الإهمال في صيانة السدود والبناء العشوائي في مجاري الأودية هو الوقود الذي أشعل الكارثة.

تظهر بيانات دراسة حول مخاطر التربة أن حوالي 29 ألف شخص يصبحون سنويا عرضة لضعف شديد لهذه المخاطر، مقارنة بـ22 ألفا في عام 2002، وهذا الارتفاع مرتبط أساسا بتوسع المناطق العمرانية شبه الرسمية في مسارات الفيضان.

وفي المغرب كشفت العاصفة "مارتا" -التي ضربت سواحله في الأسابيع الماضية- عن ثغرات مماثلة؛ ففي سنوات الجفاف بدت ضفاف الأودية الجافة أراضي آمنة وجذابة، فـ"نمت" فوقها أحياء سكنية، متجاهلة خرائط المخاطر التي حددت بدقة مناطق الفيضان.

مع ذلك، شهدت تجربة المغرب نقلة نوعية في إدارة الأزمات، إذ تم إخلاء أكثر من 108 آلاف شخص بقرار حازم قبل ذروة الفيضانات، وهو إجراء أنقذ آلاف الأرواح رغم خطورة الظروف، إلا أن النجاح في "الحلقة الثانية" (الاستجابة أثناء الكارثة) لا يجب أن يغطي على التقصير في "الحلقة الأولى" (الوقاية والتخطيط).

لقد أثبتت أحداث 2023 و2026 أن الندرة والوفرة لا تتعلقان فقط بكمية الأمطار، بل هي مسألة "حوكمة" واستعداد. فالبنية التحتية التي صممت وفق معايير مناخ القرن العشرين، كما يقول الصالحي، باتت عاجزة عن استيعاب التقلبات المناخية للقرن الـ21، والمستقبل يحمل المزيد من هذه التقلبات، وسيعود الغيث ربما أشد مما مضى.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار