إذا جربت البحث عن الأخبار الليبية على محرك البحث غوغل، فستكون أغلب الأخبار في اتجاه الأزمات السياسية التي تغرق فيها ليبيا منذ سنوات، وربما ذلك هو السبب في أن بعض الإنجازات التي تحدث في مجالات بعيدة عن السياسة لا تجد الاهتمام الكافي.
من بين أبرز تلك الإنجازات ما تحقق قبل شهور وتحديدا في يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، والذي لم يكن يوما عاديا في تاريخ كليات العلوم بالجامعات الليبية، إذ شهدت جامعة بنغازي مناقشة أول أطروحة دكتوراه في تخصص الكيمياء يتم تنفيذها داخل الجامعات الليبية للباحث هيثم أبو عيسى، تحت إشراف البروفيسور أشرف الحشاني.
وفي الحوار الذي أجرته الجزيرة نت مع الباحث، وتم تنفيذه عبر تطبيق "غوغل ميت"، حرصنا على أن تكون أسئلتنا لأبو عيسى صاحب الـ44 ربيعا، كاشفة عن تفاصيل رحلته البحثية وأبرز المعوقات وما يعنيه إنجازه الشخصي على المستوى الوطني.
بدأت علاقتي بالكيمياء مبكرا، منذ سنوات الدراسة الأولى، حين لم أتعامل معها كمادة دراسية فقط، بل كطريقة لفهم ما يحدث حولنا.
وصلت لها عندما أدركت أن الكيمياء تفسر الظواهر اليومية من أبسطها إلى أعقدها، وأنها لغة مشتركة بين الطبيعة والحياة والطب والصناعة، وهذا هو الذي جعلني شغوفا شغفا حقيقيا بهذا التخصص.
سأكون صادقا معك، ولن أبالغ إذا قلت إنه لم يكن حلما حاضرا منذ البداية، بل تشكل تدريجيا مع تعمقي في البحث العلمي، ولعب عدد من الأساتذة دورا محوريا في صقل هذا التوجه، خاصة من زرعوا فينا قيمة السؤال العلمي والبحث المنهجي، وأثبتوا أن الباحث الحقيقي يُبنى بالاستمرار لا بالظروف المثالية.
الكيمياء بالنسبة لي ليست تخصصا أكاديميا فقط، بل أسلوب تفكير. علمتني الصبر، والدقة، واحترام التفاصيل، وربط السبب بالنتيجة. هي تدريب يومي على التفكير النقدي والبحث عن الحقيقة بعيدا عن الانطباعات السطحية.
"بابتسامة عريضة": إنجاز أعتز به باعتباره نجاحا للمؤسسة الأكاديمية الليبية قبل أن يكون إنجازا شخصيا. هذا الإنجاز يؤكد أن الجامعات الليبية قادرة، رغم التحديات، على احتضان برامج دراسات عليا جادة وإنتاج بحث علمي رصين وفق المعايير الأكاديمية المعتمدة، فضلا عن قابليتها لاستقطاب طلبة من خارج ليبيا للالتحاق ببرامج الدراسات العليا.
بالطبع، فهو يمثل مسؤولية علمية قبل أن يكون لقبا، ودافعا للاستمرار في دعم البحث العلمي، وبناء مسارات أكاديمية تُمهد الطريق أمام باحثين آخرين لإنجاز دراساتهم العليا داخل الدولة الليبية بثقة وجودة.
الدراسة داخل ليبيا أكثر تحديا من حيث الإمكانيات، لكنها أكثر عمقًا من حيث التجربة الإنسانية والعلمية. الباحث هنا لا يعتمد على وفرة الموارد، بل على التفكير، والابتكار، والعمل الجماعي، وهذا يصنع باحثا أكثر تمرسا.
"يصمت لوهلة" كان هناك شعور بالمسؤولية أكثر من الضغط، وأدين بالفضل للوسط الأكاديمي الذي تفاعل أغلبه بإيجابية مع هذه الخطوة، واعتبر التجربة خطوة مهمة يجب البناء عليها لا الاكتفاء بها.
تناولت أطروحتي دراسة التداخلات الفيزيائية–الكيميائية بين بعض المركبات الفعالة الحيوية (الأدوية والفيتامينات) مع المركبات النشطة سطحياً باستخدام تقنيات التحليل الطيفي وقياسات اللزوجة والتوصيلية والتوتر السطحي بهدف فهم تأثير هذه التداخلات على الخواص والوظيفة. اخترت هذا الموضوع لارتباطه المباشر بالصحة العامة والمكملات الغذائية واسعة الاستخدام.
كانت أبرز النتائج إثبات حدوث تداخل جزيئي حقيقي بين المركبات الفعالة حيوياً مع المركبات النشطة سطحياً (Surfactants) مما أدى إلى تكوين مركبات جديدة بخصائص مختلفة يكون لها فاعلية وفائدة أفضل من المركبات الفعالة حيوياً بمفردها، ولهذه النتائج تطبيقات محتملة في مجالات الصيدلة والصناعات الدوائية، وجودة المكملات الغذائية، وحتى السياسات الصحية. كما قمنا بنشر 4 ورقات علمية من بحث الدكتوراه في مجلات عالمية مدرجة ضمن قاعدة بيانات سكوبس (Scopus).
يمكن توظيف نتائج الأطروحة لتحسين جودة المنتجات الدوائية، وترشيد استخدام المكملات الغذائية، وتوجيه الصناعة المحلية نحو صيغ أكثر أمانا وفاعلية، ما ينعكس إيجابا على صحة المواطن والاقتصاد الوطني.
"بابتسامة راضية": واجهتنا العديد من التحديات أهمها نقص بعض الأجهزة والمواد، لكن هذه الظروف دفعتنا للبحث عن حلول بديلة.
اعتمدنا على تبسيط النماذج التجريبية، وتعظيم الاستفادة من الأجهزة المتاحة مثل جهاز قياس اللزوجة وجهاز قياس التوتر السطحي، والتعاون مع فرق بحثية داخل الجامعة في توفير بعض المواد الكيميائية.
أصعب مرحلة كانت مرحلة الحسابات وتفسير النتائج والتحقق منها. راودتني لحظات شك، لكنها لم تصل إلى حد التوقف، لأن الإيمان بالهدف كان أقوى.
كان لفريق الإشراف المتمثل في البروفيسور أشرف الحشاني (مشرفاً أساسياً) والبروفيسور خالد الضبيع (مشرفا مساعداً) دور أساسي في نجاح التجربة، حيث وفرا توجيها علميا حقيقيا، وبيئة تشجع على الاستقلالية والبحث الجاد.
نعم، فلدينا الكفاءات البشرية، ما ينقصها هو التمويل، والاستقرار، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع.
الباحث الليبي يمتلك القدرة، لكنه يحتاج إلى الدعم المادي وثقة المؤسسة التابع لها، وشبكات تعاون مع مؤسسات إقليمية ودولية.
بالتأكيد، هو رسالة بأن النجاح ممكن من الداخل، وأن الظروف الصعبة ليست مبررا للتخلي عن الطموح.
أقول إن البحث العلمي لا ينتظر الظروف المثالية، بل يصنعها. هذه التجربة دليل على أن النجاح ممكن، ويمكن أن تمتد إلى تخصصات علمية أخرى.
متفائل ولكن بحذر. المستقبل يعتمد على قرارات حقيقية لدعم الباحثين، وتبسيط الإجراءات، وربط البحث بالتنمية.
لكل دوره، فالدولة توفر التمويل والتشريعات المشجعة، والجامعات توفر البيئة العلمية والدعم، والباحث عليه الالتزام، والنزاهة، والاستمرار.
نعم، نحتاج إلى اعتبار البحث العلمي استثمارا لا رفاهية.
من وجهة نظري الشخصية الصحة، والطاقة، والمياه، والبيئة، لأنها تمس حياة المواطن مباشرة.
للطلاب: لا تقللوا من قدراتكم وثقوا بأنفسكم. ولصناع القرار: الاستثمار في البحث العلمي هو استثمار في اقتصاد الدولة واستقرارها.
نعم، بكل تحدياته. وأتمنى أن يُذكر هذا الإنجاز كبداية لمسار علمي داخل الجامعات الليبية، وليس كحالة استثنائية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة