آخر الأخبار

الجدة فاطمة تروي رحلة يامال من الإهانات العنصرية إلى قلوب الإسبان

شارك

قبل ساعات من خوض المنتخب الإسباني نهائي كأس العالم 2026، لا يقتصر حضور لامين يامال في المشهد الإسباني على كونه أبرز نجوم المنتخب وأحد أفضل المواهب الكروية في العالم، إذ تحول اللاعب البالغ من العمر 19 عاماً إلى عنوان لنقاش سياسي واجتماعي يتجاوز المستطيل الأخضر، ويتناول قضايا الهوية والانتماء والهجرة ومستقبل المجتمع الإسباني، وترى صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن قصة صعوده من أحد الأحياء الشعبية قرب برشلونة إلى قيادة منتخب بلاده في أكبر بطولة كروية، أصبحت مرآة للتحولات العميقة التي تعرفها إسبانيا، في ظل تزايد أعداد المهاجرين واحتدام السجال السياسي حول مكانتهم داخل المجتمع.

وفي تقرير ميداني أعده مراسلها جايسون هورويتز من حي روكافوندا، مسقط رأس اللاعب، تصف الصحيفة أجواء استثنائية عاشها السكان خلال مباراة إسبانيا وفرنسا في نصف نهائي كأس العالم، حيث احتشد المئات أمام شاشة عملاقة في أحد المتنزهات لمتابعة ابن الحي وهو يقود منتخب بلاده نحو النهائي، بينما لم يكن بعيداً عنهم الملعب الصغير الذي تعلم فيه يامال أساسيات كرة القدم، والذي يتوسطه اليوم رسم جداري ضخم يحمل صورته، في مشهد يعكس المكانة التي بات يحتلها داخل الحي الذي شهد بداياته.

وسط تلك الأجواء جلست فاطمة روماني، جدة اللاعب، تتابع الأطفال وهم يركضون خلف الكرة في المكان نفسه الذي شهد خطوات حفيدها الأولى، وقالت للصحيفة إن ذكرياتها لا ترتبط فقط بالنجاح الذي يعيشه اليوم، وإنما أيضاً بسنوات صعبة كان يتعرض خلالها لعبارات عنصرية بسبب أصوله المغربية والإفريقية، إذ كان بعض المتفرجين يطلقون عليه أوصافاً مهينة بعد تسجيله الأهداف، وهو ما ترك أثراً في العائلة، قبل أن تتغير نظرة كثير من الإسبان إليه مع مرور السنوات، وتؤكد الجدة فاطمة أن المجتمع الإسباني عرف تغيراً ملحوظاً مقارنة بما كان عليه في السابق، وأن حفيدها أصبح يحظى اليوم بمحبة واسعة داخل البلاد.

ويحمل اللاعب، الذي يعرف رسمياً باسم لامين يامال نصراوي إيبانا، أصولاً مغربية من جهة والده، وأخرى من غينيا الاستوائية من جهة والدته، وقد ولد وترعرع في إسبانيا قبل أن يلتحق بأكاديمية برشلونة الشهيرة، حيث برزت موهبته في سن مبكرة، ليشق طريقه بسرعة نحو الفريق الأول ثم المنتخب الإسباني، ويصبح في وقت قياسي أحد أبرز الوجوه الرياضية في البلاد، غير أن الصحيفة ترى أن نجاحه الرياضي ترافق مع تحوله إلى رمز للنقاش حول معنى الانتماء في مجتمع متعدد الثقافات.

مصدر الصورة

وأعاد يامال بنفسه هذا النقاش إلى الواجهة عندما قال، خلال مؤتمر صحافي قبل نهائي كأس العالم، إن الهدف الحقيقي لكرة القدم هو جمع الناس، وإن المنتخب الإسباني يقدم نموذجاً ناجحاً للاندماج، وجاء تصريحه رداً على مقال نشره رئيس الوزراء الإسباني الأسبق ماريانو راخوي، اعتبر فيه أن المنتخب الفرنسي، الذي يضم عدداً كبيراً من اللاعبين المنحدرين من أصول إفريقية، هو “منتخب بلا فرنسيين”، وهو طرح أثار نقاشاً واسعاً داخل إسبانيا، فيما فُهم رد يامال باعتباره دفاعاً عن حق أبناء المهاجرين في تمثيل الدول التي ولدوا ونشأوا فيها.

وترى “نيويورك تايمز” أن كرة القدم أصبحت في كثير من الدول الأوروبية إحدى أبرز ساحات الاندماج الاجتماعي، إذ تتيح لأبناء المهاجرين الوصول إلى مكانة وطنية يصعب بلوغها في مجالات أخرى، غير أن ذلك لا يعني اختفاء مظاهر التمييز، فقد واجه يامال خلال مسيرته أكثر من حادثة مرتبطة بخلفيته الدينية والإثنية، من بينها هتافات معادية للمسلمين أطلقتها جماهير إسبانية خلال مباراة أمام منتخب مصر، عندما ردد بعض المشجعين عبارة “أنت مسلم إذا لم تقفز”، وهو ما دفع اللاعب إلى وصف تلك التصرفات بأنها صادرة عن مشجعين “جهلة وعنصريين” يسيئون إلى المسلمين ولا يعكسون قيم الرياضة.

وفي المقابل، لم يسلم اللاعب من الانتقادات القادمة من خارج إسبانيا، إذ أشارت الصحيفة إلى أن بعض المغاربة اعتبروا اختياره الدفاع عن ألوان المنتخب الإسباني بدلاً من المنتخب المغربي نوعاً من التخلي عن جذوره، وهو ما يعكس الضغوط التي يعيشها أبناء العائلات المهاجرة عندما يجدون أنفسهم مطالبين بإثبات انتمائهم لأكثر من طرف، سواء في بلد الميلاد أو بلد الأصل.

وتضع الصحيفة قصة يامال ضمن سياق أوسع يرتبط بالتحولات السكانية التي تعرفها إسبانيا، موضحة أن البلاد استقبلت أكثر من أربعة ملايين مهاجر خلال السنوات الخمس الماضية، رغم أن عدد سكانها يقل عن خمسين مليون نسمة، كما تمكن أكثر من مليون مهاجر هذا العام من تسوية أوضاعهم القانونية بعد مبادرة حكومية لتقنين الإقامة، ويؤكد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن المهاجرين يسهمون في تنشيط الاقتصاد وتعويض انخفاض معدلات الولادة ودعم سوق الشغل، بينما يرى كثير من المتابعين أن المنتخب الإسباني الحالي، الذي يضم عدداً من اللاعبين المنحدرين من أصول مهاجرة، يعكس هذه التحولات الديموغرافية بصورة واضحة.

مصدر الصورة

في المقابل، تشير “نيويورك تايمز” إلى أن هذا التصور لا يحظى بإجماع داخل المجتمع الإسباني، إذ تشهد الأحزاب اليمينية المناهضة للهجرة صعوداً متواصلاً، مستفيدة من المخاوف المرتبطة بتزايد أعداد المهاجرين، خصوصاً القادمين من المغرب، الذي يمثل أكبر مصدر للهجرة نحو إسبانيا، وقد استهدفت بعض التنظيمات اليمينية يامال مباشرة بعد احتفاله بالسجود عقب تسجيل أحد أهدافه في كأس العالم، حيث اعتبرت منظمة “ريفويلتا” الشبابية المقربة من حزب “فوكس” اليميني أن التسامح مع الإسلام “من أجل هدف كروي” قد يقود إلى فقدان الهوية الوطنية، وهو موقف أعاد الجدل حول العلاقة بين الرياضة والسياسة والانتماء الديني.

وفي روكافوندا تبدو الصورة مختلفة عن الخطاب السياسي، فالحي الذي يضم متاجر عربية ومحال لبيع اللحوم الحلال إلى جانب شوارع تحمل أسماء فنانين إسبان مثل بيكاسو وميرو، أصبح نموذجاً للتنوع الثقافي الذي تعرفه ضواحي برشلونة، وتقول الجدة فاطمة إنها وصلت إلى إسبانيا قبل أكثر من أربعين عاماً وهي لا تعرف القراءة ولا الكتابة، وعملت سنوات طويلة لتأمين احتياجات أسرتها، من دفع الإيجار وفواتير الماء والكهرباء إلى تربية أطفالها الستة، ومن بينهم والد لامين يامال، مؤكدة أن الحي تغير كثيراً خلال العقود الماضية، لكنها ترى في هذا التنوع أمراً إيجابياً، حتى إنها قالت مازحة إن روكافوندا “أصبحت مثل المغرب”، قبل أن تبتسم حفيدتها هدى وتطلب منها عدم قول ذلك، لترد الجدة بأن الأمر ليس سيئاً، وإنما يعكس واقعاً متعدد الثقافات.

وتبرز الصحيفة أيضاً قصة هدى، ابنة عم يامال، التي تبلغ العمر 19 عاماً وتتابع دراستها في الإدارة والمالية استعداداً للالتحاق بالجامعة، وتقول إنها تعيش حياة طبيعية مع أصدقاء من أصول مغربية وإفريقية وإسبانية، وترى أن ابن عمها لم يعد يمثل أبناء المهاجرين فقط، وإنما أصبح “وجه إسبانيا” بالنسبة إلى ملايين المشجعين، غير أنها تشدد في الوقت نفسه على أن تجربة يامال تبقى استثنائية، بينما يخوض آلاف الشباب من أبناء المهاجرين مسارات أكثر هدوءاً في الدراسة والعمل وبناء المستقبل بعيداً عن الأضواء.

وتنقل “نيويورك تايمز” مشاهد من احتفالات سكان الحي بعد تأهل المنتخب الإسباني إلى نهائي كأس العالم، حيث علت الهتافات وارتفعت الأعلام الإسبانية في الساحات، واختلط أبناء العائلات الإسبانية القديمة بالمهاجرين القادمين من إفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينما ردد الجميع بصوت واحد “أنا إسباني”، في مشهد اعتبرته الصحيفة دليلاً على أن كرة القدم ما زالت قادرة على جمع فئات المجتمع، ولو مؤقتاً، حول هوية وطنية مشتركة تتجاوز الانقسامات السياسية والاجتماعية.

وتخلص الصحيفة إلى أن قصة لامين يامال لم تعد مجرد حكاية لاعب موهوب شق طريقه إلى النجومية، وإنما أصبحت مدخلاً لفهم التحولات التي تشهدها إسبانيا في علاقتها بالهجرة والتعدد الثقافي، إذ يقف اللاعب عند تقاطع الرياضة والسياسة والهوية، ويجسد بالنسبة إلى مؤيديه صورة بلد يتغير باستمرار، بينما يراه معارضوه عنواناً لتحولات تثير لديهم القلق، وبين هذين الموقفين يواصل يامال كتابة مسيرته داخل الملعب، فيما تستمر قصته خارج الخطوط في استقطاب اهتمام الرأي العام ووسائل الإعلام داخل إسبانيا وخارجها.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا