اعتبرت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش، أن القانونين التنظيميين المؤطرين لآليتي تقديم العرائض والملتمسات في مجال التشريع لم يحققا بعد الأهداف التي راهن عليها دستور سنة 2011، مرجعة ذلك إلى محدودية الممارسة وتراكم التجربة لدى مختلف الفاعلين في مجال الديمقراطية التشاركية، ومؤكدة أن تقييم هذه الآليات يشكل فرصة لتطويرها وتعزيز انخراط المواطنين في تدبير الشأن العام.
وأوضحت بوعياش، خلال اجتماع اللجنة الفرعية المكلفة بتتبع شروط وظروف تطبيق القانونين التنظيميين المتعلقين بالعرائض والملتمسات، أن هاتين الآليتين تعدان من أبرز ثمار الإصلاح الدستوري لسنة 2011، باعتبارهما تجسيدا لرهان توسيع المشاركة المواطنة وتعزيز الديمقراطية التشاركية، مشددة على أن الديمقراطية التمثيلية، رغم أهميتها، لم تعد بمفردها كافية للاستجابة للتحولات التي يشهدها المجتمع، وهو ما جعل النقاش بشأن إقرارهما يحظى بأهمية كبيرة خلال مراجعة الدستور.
وأضافت أن الرهان من إقرار العرائض والملتمسات لم يكن يقتصر على توسيع المشاركة في العمل السياسي بمفهومه الضيق، وإنما انصب على تمكين المواطنات والمواطنين من الانخراط في تدبير مختلف قضايا الشأن العام، ولا سيما القضايا التنموية، معتبرة أن إشراك المواطنين في إعداد البرامج والسياسات العمومية أصبح اليوم من متطلبات الحكامة الحديثة، ومن الآليات الكفيلة بتعزيز الثقة في المؤسسات.
وأشارت إلى أن النقاش الذي سبق اعتماد دستور 2011 عرف انخراطا واسعا لفعاليات المجتمع من مختلف جهات المملكة، بما فيها المناطق الجنوبية والجبلية والساحلية، من خلال لقاءات ونقاشات مع الشباب وفعاليات المجتمع المدني، أظهرت وجود شعور لدى فئات واسعة بعدم قدرتها على التأثير في القرارات العمومية أو إيجاد فضاءات مؤسساتية للتعبير عن مطالبها، وهو ما جعل العرائض والملتمسات تشكلان وسيلة قانونية لتمكين المواطنين من المساهمة في إحداث التغيير والتأثير في السياسات العمومية عبر قنوات مؤسساتية.
وسجلت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن هذا الموضوع يكتسي راهنية متزايدة في ظل التحولات الاجتماعية التي يشهدها المغرب، وما أفرزته تحركات عدد من فئات الشباب، خاصة ما يعرف بجيل “Z”، معتبرة أن التجارب التي عرفتها دول عديدة، لاسيما في آسيا وإفريقيا، وما رافقها من توترات وإشكالات حقوقية، تؤكد أهمية توفير قنوات مؤسساتية للحوار والمشاركة، وهو ما يمنح المبادرة التي أطلقتها اللجنة الفرعية لتقييم تطبيق القانونين التنظيميين أهمية خاصة في هذه المرحلة.
وأكدت أن إعادة فتح النقاش حول آليات الديمقراطية التشاركية وتقييم حصيلة تطبيقها من شأنه أن يعزز التجربة المغربية ويمنحها إشعاعا على المستوى البرلماني الإفريقي والدولي، وكذلك داخل برلمان البحر الأبيض المتوسط، باعتبارها نموذجا لتوسيع المشاركة وتمثيل الأمة، مشيرة إلى أن هذا الورش يندرج أيضا ضمن منظومة حقوق الإنسان، بالنظر إلى ارتباطه بالحق في المشاركة في تدبير الشأن العام كما تنص عليه المواثيق الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وفي تقييمها للتجربة، اعتبرت بوعياش أن القانونين التنظيميين لم يحققا بعد الأهداف المرجوة منهما، لأن مختلف الفاعلين لم يكتسبوا بعد الممارسة الكافية في مجال توسيع التمثيلية والمشاركة المواطنة، مبرزة أن عمل اللجنة الفرعية يكتسي أهمية خاصة، لأنه يتيح الوقوف على مكامن القوة والاختلالات واقتراح السبل الكفيلة بتطوير هذه الآليات الدستورية، مع التفكير في كيفية تعزيز انخراط رؤساء الجهات والجماعات الترابية، وتحسين آليات دعم الجمعيات، وتجاوز الإشكالات التي تعترض أصحاب المبادرات المواطنة.
كما شددت على ضرورة توفير الإمكانات البشرية والموارد المادية اللازمة لتمكين مختلف المؤسسات من تدبير ملفات العرائض والملتمسات وتتبعها بالنجاعة المطلوبة، معتبرة أن نجاح هذا الورش رهين بتحويل هذه الآليات من مقتضيات قانونية إلى ممارسات مؤسساتية فعالة، تعزز المشاركة المواطنة وتكرس الديمقراطية التشاركية باعتبارها رافدا أساسيا للديمقراطية التمثيلية، وآلية لترسيخ التنمية وتعزيز الثقة في المؤسسات الدستورية.
المصدر:
العمق