لئن كان الجمهور هو اللّاعب رقم 12 مجازًا، فإنّ الحارس هو اللّاعب رقم 1 فعلًا، لا لأنّه كان مكتوبًا على قميصه حين تقنين القمصان، بل لأنّ مركزه ثابت لا غنى عنه، إذ أيّ مباراة هذه بدون حارس مرمى؟
وإذا كانت الانتصارات غالبًا ما تُعزى إلى المهاجمين، فإنّ أساس الفوز هو تلقّي أهداف أقلّ من المنافس، وهذا ما يحرص عليه الحرّاس. لذلك، يكرَّم هؤلاء بالقفّاز الذهبي وجائزة ياشين وجائزة زامورا… إسوة بأولئك إذ ينالون الحذاء الذهبي وجائزة بوشكاش… بل إنّ منهم، من الحرّاس، من يكشِّر أحيانًا عن المهاجم فيه، فيقدّم تمريرات حاسمة، وقد يسجّل أهدافًا حتّى، في مباريات لا تنسى.
وكما أنّ لكلّ لاعب قدوة في مركزه، فإنّ للحارس، مهما علا قفّازه، قدوةً في أحد أسلافه من سَدَنَة العرين. ولئن كان لواحدة أن تذكر في هذه الشِّباك، فهو الحارس الكاميروني، توماس نكونو. فقد كان هذا العملاق الإفريقي قدوة للعملاق الأوروبي بوفون حدَّ أن سمى ابنه البكر على اسمه: توماس بوفون. ولست أدري ما إذا كان قد ندم على ذلك، فالفتى توماس اختار أن يكون مهاجمًا، وفي ذلك عقوق رمزي لمركز أبيه، كما فضّل أن يلعب لمنتخب التشيك برًّا ببلد أمه.
أمر القدوة والتّسمية هذا يظهر في وقت مبكّر من اللّعب. ففي طفولتي البعيدة كان فرس وعسيلة من أترابي، ولقد سُمّيا كذلك فقط لتفاهمهما في ساحة الحيّ. أمّا الثنائي الخالد لشباب المحمدية فكان أن تسمع به أسهل مئة مرة من أن تراه بسبب شظف الفرجة زمانئذٍ. الأغرب من ذَيْنِكَ النجمين المغمورين هو أحد حرّاس تلك المرحلة، فالولد لم يكن بلون علّال ولا بقامةٍ تبشّر بالهزّاز، فأُطلق عليه لقب عتّوﯕـة، تيمّنًا بحارس المنتخب التونسي الكبير، فعتّوﯖـةُ تونس كان عند المغاربة أشهر من كلّ ديوك فرنسا. وإذا كان عملاق تونس لا يُشَقُّ له غبار، بفضل عشب الملاعب طبعًا، فإنّ حارسنا الصغير كان يُشَقُّ له الغبار حيثما ارتمى في أزقتنا المُتربة. ولكم كنّا نخشى أن يشقّ له ذراع أو ساق أيضًا جرَّاءَ تهوّره في سبيل استحقاق اللّقب الغالي.
سنوات بعد تلك الطفولة الغبراء، ستتمكّن بيوت المغاربة من التلفزيون، وسيصير هذا ببرامج ومواعيد رياضية لا تُخلفْ، قبل أن تستشري القنوات وتصبح الشاشة في كلّ كفّْ، وتصير كرة القدم الدّليلَ الأبرز على ما وصل إليه العالم من بحبوحة البثّ، فأمسينا نشاهد المباريات مصحوبة بتعاليق المعلّقين، ومتبوعة بتحاليل المحلّلين، فعرفنا أكثر عن اختلاف الخطط ومراكز اللّاعبين، ودهاء المدرّبين وتأثير التبديلات، واللّعب بلا كرة وتنويم المباراة، والمهاجم الوهمي والظهير الوهمي… لكن، للحقيقة والتاريخ، لم نسمع أبدًا بحارس وهمي. ففي كرة القدم، الحارس هو الواقع الذي يرتفع، وغالبًا ما يرتفع فوق كلّ اللّاعبينْ حمايةً للعرينْ.
بعد عقود من متابعة كرة القدم، سيلقّنني والدي، رحمه الله، درسًا لن أنساه حول اللّعبة وأهمية الحارس. فقد كنت حتّى أواخر حياته، أهاتف البيت لأذكّره بتوقيت المباريات والقنوات النّاقلة ونتجاذب أطراف المنتخب الوطني. في إحدى المرّات كان المغرب قد قدّم مباراة للنسيانْ، إذ انحصر اللّعب خلالها في وسط الميدانْ، فلا هجوم ولا دفاع ولا فرص ولا محاولات ولا تسديدات على المرمى من هذا الفريق أو ذاك… وحين سألت الوالد، نبّهني إلى أنّنا لم نشاهد الحارسيْن، فقلت فعلًا، فلخّص رأيه في المباراة جازمًا: مَاكَايْنْشَايْ.
بناءً على خطّة اللّعب يتحدّد انتشار اللّاعبين في رقعة الملعب بتدبيرٍ مُحكَم من المدرّب حسب ظروف كلّ مباراة، وهذا ما يُعرف في كرة القدم بالتشكيلة، تلك التي قد يحدث بين عناصرها من الانسجام والتناغم ما يرقى إلى درجة الإبداع، فنسمع في سياقها بالفنّان والرسّام والمعزوفة والمبدع واللوحة والمايسترو والسيمفونية…
والشعر؟
أليس ثمة شعر؟
بلى،
إنّ من عُروض كرة القدم لَمَا يرقى إلى علم العَروض.
فمثلما تحتاج التفعيلات إلى تشكيل وتقطيع، فتأتي عبارة عن متتاليات مختلفة من الحركات والسكون، فإنّ التشكيلات تحتاج إلى تفعيل وتقسيم، فإذا هي متواليات متباينة من الأرقام، بها أسباب الفوز وأوتاد الفريق وفواصل المهارات، وقد تعتريها زحافات وعِلل في أثناء مجريات اللّعب، وحسب مقتضيات إيقاعه الذي يطغى على كلّ وزن وكلّ قافية.
ولعلّ من عجائب الصّدف أنّ عدد التشكيلات المعتمدة في كرة القدم المعاصرة هو بالضبط عدد بحور الشعر التي وضع الخليل، وأنّ بعض المباريات يُنظم على البحر الطويل والبعض يُنظم على البحر السريع، فيما تلعب أجملها على البسيط أو المتقارب. أمّا اللّعب الشّذري، فقد جاء به أولئك الأفذاذ الذين ذهبوا رأسًا إلى ماء اللّعبة، فلكرة القدم ماء كما للشعر ماء.
ومع التطوّر المطّرد للّعبة، لن ننتظر طويلًا ظهور أحفاد للأخفش، يتداركون ما سها عنه أحفاد الفراهيدي، ويأتون بما لا يخطر على بال أحد من عشّاقها، مثلما لن نعدم من يضع لاعبي كرة القدم في طبقات إسوة بما حدث قديمًا مع الشعراء.
ولئن كان الصدر والعجز للشّعر كالشوطين لكرة القدم، فإنّ بيت القصيد قد يُنشد في دوريّ للأحياء، فيما تحمل مباريات دولية من سقط المتاع ما تنوء بحمله أردأ القصائد… أمّا تلك المباريات العصماء والملاحم الكروية، فطوبى لمن شاهدوا واحدة منها، من المدرجّات أو على الشاشة حتّى. ومن حسن حظي أنّي واحد منهم.
عند المغاربة، قد تكون مباراة كرة القدم من بيت أو بيتين، أو حتى قصيدة دون أبيات، ذلك أنّهم يسمّون الهدف بيتًا تيمّنًا بنطقه الفرنسي.
يعجّ مجتمع كرة القدم بالخبراء والدّهاة… لذلك، أتمنّى على أحد ثعالبها أن ينبري لإصدار سلسلة من التسجيلات حول اللّعبة بعنوان: يتيمة الدهر في مهارات أهل العصر….
وأخيرًا، تخيّلوا أنّ المتنبّي معاصرٌ لنا ويشاهد ما نشاهد من فِعال أبناء الجِنِّيِّ هؤلاء في ملاعب كرة القدم، هل كان ليدّعي أنّه خير من تسعى به قدم؟
المصدر:
هسبريس