آخر الأخبار

بين “مكر الخصوم ومثاليتنا المفرطة”.. قراءة في أسباب “الانهيار الذهني” للأسود ليلة “الكان” - العمق الرياضي

شارك

تأجّل الحلم القاري للمنتخب الوطني المغربي إلى إشعار آخر، بعد خسارة نهائي كأس أمم إفريقيا أمام السنغال، مساء أمس الأحد، في موعد كان حافلا بالأحداث واستأثر باهتمام وطني ودولي، كما عُلّقت عليه آمال حوالي 40 مليون مغربي كانوا يطمحون إلى طرد عُقدة النجمة الثانية وإرفاقها باللقب اليتيم المُحقّق سنة 1976 بإثيوبيا.

المواجهة التي احتضنتها أرضية “المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله” بالرباط شكّلت مناسبةً لمجريات دراماتيكية وتطورات متسارعة أضفت الكثير من الإثارة والتشويق، وكذلك شهدت جدلاً سيظل ملازما لهذا اللقاء، بفعل سلوك الجماهير السنغالية التي نصبّت نفسها طرفا كاد يُفسد التفوق التنظيمي الذي أظهرته المملكة لهذه التظاهرة على عدة مستويات.

وفي غمرة هذه المشاعر الطارئة التي تتملّك الجماهير المغربية ومختلف الفعاليات الوطنية، تغوص بكم جريدة “العمق المغربي” في العوامل التي أفضت إلى تأجُّل موعد الانقضاض على كأس أمم إفريقيا بالنسبة للمنتخب الوطني، مُخلّفةً خيبة أمل جماعية وحسرة على إضاعة فرصة حصد اللقب القاري.

“الامتياز التحكيمي”.. فخ لم ينجُ منه “الأسود”

بعيدا عن الاختيارات التكتيكية والبشرية للطاقم التقني، تعثّر المنتخب الوطني في المقام الأول اختباره الذهني، وسط رحلة كانت حُبلى بالضغوطات النفسية المُسلّطة من كل الاتجاهات، خاصة تلك “الأساطير” المُروّجة حول الامتياز التحكيمي التي تدّعي استفادة “أسود الأطلس” منه، مما ألقى ضغطا إضافيا و”رقابة ذاتية” مضاعفة على اللاعبين.

وقبل بداية المسابقة، ظلّ البعض يُسوّق لسردية أن هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا سيجري تعبيدها سلفا لصاحب الأرض والجمهور، مثلما قال أحد الإعلاميين بصحيفة “ليكيب”، قبل بضعة أسابيع، بأن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم مُطالَب بمنح اللقب مباشرة إلى المنتخب الوطني المغربي.

وساهمت هذه الأجواء المشوبة بالشكوك في التأثير على صفاء ذهن المنتخب المغربي وتركيز لاعبيه وطاقمه التقني، الذي ظلّ مُمثّلا في المدرب وليد الركراكي مُرغما في كل خرجة إعلامية على الإجابة عن “الامتياز التحكيمي الوهمي” الذي حاول العديدون صياغته ونسبه إلى النخبة الوطنية.

خطة سنغالية ممنهجة أوقعت براهيم دياز

في الوقت بدل الضائع من المواجهة النهائية لـ”الكان”، كان براهيم دياز يمضي الثواني كأنها ساعات، ويُمنّي النّفس بتسريع عامل الزمن وحلول موعد تنفيذ ضربة الجزاء التي احْتُسبت لـ”الأسود”، غير أن الطرف السنغالي كان مُدركا لهذا الوضع وعمل على افتعال الكثير من الأحداث في ذلك الحيز الزمني.

وما إن أعلن حكم المقابلة احتساب ضربة جزاء للمنتخب الوطني بعد العودة لتقنية “الفار”، حتى عمدت الجماهير السنغالية إلى محاولة اقتحام أرضية الملعب ودخلت في مواجهات مع عناصر الأمن، بينما شرع اللاعبون السنغاليون في التهديد بالانسحاب، بل خرجوا إلى مستودع الملابس لإبداء نيتهم التصعيد والتمرُّد على القرار التحكيمي.

في غضون ذلك، لبث لاعب ريال مدريد نهباً لأفكار متضاربة تدور في خلده، يتنازعها اليقين والشك في الوقت نفسه، قبل أن تحين عملية تنفيذ ضربة الجزاء التي أهدرها في آخر المطاف، وقد كان من الواضح أن دياز لم يكن مُستعدا على الصعيد الذهني لتحمُّل مضايقات الحارس إدوارد ميندي والضجيج المُحاط به، وهو ما أدى إلى إضاعة الركلة.

غياب رد فعل حازم من الجامعة تحصينا للنخبة الوطنية

كان من اللافت أن النسخة التي اعتبرها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، ستكون الأفضل في تاريخ كأس أمم إفريقيا، أن تواجه أصواتا “نشاز” ظل هدفها إحاطة ظروف تنظيمها بالكثير من الافتراءات، وقد امتد هذا “التجنِّي” ليشمل أيضا ما له علاقة بالمنتخب الوطني المغربي.

ولعلّ البلاغ الذي أصدره الاتحاد السنغالي قبل المباراة النهائية أدقّ مثال على ذلك، بعدما أخذ يُلقي الشكاوى على عواهنها، في خطوة بدا واضحا أنها تندرج في معركته النفسية ضد المنتخب الوطني، حيث طعن في سلامة مراسم وصوله إلى مدينة الرباط قادما من طنجة وأيضاً فنادق الإقامة المُخصّصة له وملاعب التداريب كذلك.

هذه الهجمات المُمنهجة التي شنّها الجانب السنغالي لم تُقابل بالحزم المطلوب من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم التي كان من صميم أدوارها عزل المنتخب الوطني عما يدور حوله، وفق العديدين، إذ كانت مُطالبة كذلك بالتصدي بالصرامة اللازمة مع هذه المضايقات من خلال الرّد بمنطق الواقع على كل هذه الاتهامات، وتفنيدها بذات الزخم الذي أُحيط بها قبل ذلك.

محاولات مغربية لإقناع الطرف السنغالي بعدم الانسحاب

في اللحظات التي شهدت تهديد لاعبي المنتخب السنغالي بالانسحاب، حرص الطاقم التقني ولاعبو المنتخب الوطني على محاولة إحجام الطرف السنغالي عن القيام بهذه الخطوة، واستغرقوا في ذلك حوالي 20 دقيقة، في سلوك يُنافي مصلحة “أسود الأطلس” الذين كانوا أبطالا لإفريقيا في حالة أجرأة عملية الانسحاب الفعلي.

وحسب قوانين الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، كان هذا الانسحاب سيُنصّب المنتخب الوطني بطلا لـ”الكان” وسيُعرّض أيضا الاتحاد السنغالي لعقوبات زجرية كبرى، أبرزها عدم المشاركة في عدد معين من نسخ المسابقات القادمة، علاوة على الغرامة المالية الثقيلة كتعويض عن الخسائر التي يمكن أن تلحق بهذا الحدث جراء ذلك.

ورغم التلويح الذي قام به السنغاليون وإعلان اعتزامهم الانسحاب، إلا أن ذلك لم يعدُ كونه مُجرّد ضغط إضافي على المنتخب المغربي قبل ضربة الترجيح، وهو ما لم يفطن إليه أعضاء النخبة الوطنية، الذين بذلوا مجهودات في الإقناع تُعاكس مصالحهم، وتُعيد المنتخب السنغالي إلى المباراة بثوب “الضحية”.

الركراكي يدخل المعركة بتركيبة بشرية “مبتورة”

أقبل المنتخب الوطني على هذا الاستحقاق القاري البارز الأهمية بتركيبة بشرية أثارت التساؤلات، خاصة المتعلقة بالجاهزية البدنية والصحية للاعبين المُنادى عليهم، والحديث هنا عن المدافع رومان غانم سايس، الذي تم استدعاؤه دون خوض الكثير من المباريات مع فريقه السد القطري، ثم الاعتماد عليه كأساسي في المقابلة الافتتاحية، ليتعرض للإصابة في أول موعد.

كما أخفق المسؤول المباشر عن النخبة الوطنية، وليد الركراكي، في هذا الجانب مع أسماء أخرى، مثل المهاجم حمزة إيغمان، الذي لم يعتمد عليه سوى في مباراتيْن وظل ينتظر تماثله للشفاء لخمسة لقاءات كاملة، وقُدّر له أن يُصاب من جديد بتمزق في الرباط الصليبي في النهائي، يوم أمس، إثر الدفع به كبديل في الشوط الإضافي الأول.

وحتى لو كان اللاعب الآخر أشرف حكيمي مُستثنى من هذه القاعدة نظرا للقيمة الرمزية والأهمية التي يحتلها في المنظومة البشرية لـ”أسود الأطلس”، يبقى الركراكي وطاقمه المُساعد مسؤولان عن نجاعة هذا المبدأ الذي تم تبنِّيه، بتوجيه الدعوة إلى لاعبين لم يتعافوا كليا وغير جاهزين بدنيا بنسبة كاملة.

“كوتشينغ” الركراكي في النهائي محط تساؤلات

يُسجَّل في ذات النطاق الخاص بترتيب المسؤوليات حول مشاركة المنتخب الوطني في هذه النسخة القارية، المنهجية التي تعاطى بها الركراكي مع مجريات مقابلة الأمس، وبالتحديد في مضمار التغييرات التي أجراها أثناء أطوار المباراة.

وبينما دفع الناخب الوطني بستة لاعبين بدلاء في اللقاء، جاءت إصابة إيغمان وتعذر إكماله المواجهة لتُظهر سوء تعامل الركراكي مع هذا الجانب، مما أجبر المنتخب المغربي على إتمام المقابلة بعشرة لاعبين منذ الشوط الإضافي الأول، نتيجة استنفاد الحد المسموح به في التغييرات.

ولم يُفلح الإطار المغربي في وضع قراءة دقيقة وفعالة لمجريات المباراة ومطابقتها بشكل ناجح مع التغييرات البشرية التي أحدثها على تركيبته، ليُحرم بذلك المنتخب الوطني من عنصر إضافي في لحظات كان يحتاج فيها إلى كامل أدواته من أجل العودة في النتيجة أمام المنتخب السنغالي.

الضغط الشعبي “المشروع”

وجدت مكونات المنتخب الوطني نفسها أمام رغبة شعبية جامحة في القبض على لقب كأس أمم إفريقيا بعد 50 سنة كاملة من الصيام، وأنتج ذلك ضغطا رهيبا على الطاقم التقني واللاعبين ينتفي معه هامش الخطأ.

وفي حين كان الاستعداد التكتيكي والبشري بالغ الأهمية للاستجابة لهذه الطموحات، كان يجب استحضار العامل الذهني كذلك، وثقله لا يقل وزنا عن الجوانب البشرية والفنية والبدنية لمجاراة المعارك النفسية التي تحضر في هذه الاختبارات الصعبة.

ولم تُحسن جامعة الكرة ولا الطاقم التقني تحصين اللاعبين ووضعهم في بوتقة يسودها التركيز الكافي للتعاطي مع الرهان الذهني، وقد بدا في الكثير من اللحظات في مباريات “الكان” أن “أسود الأطلس” افتقدوا اللياقة الذهنية في التعامل مع المراحل الحاسمة، أبرزها الدقائق الأخيرة من المقابلة النهائية.

ضربة جزاء دياز.. غياب إدراك دقة وأهمية اللحظة

اختزال مسار براهيم دياز بكأس أمم إفريقيا في كيفية تنفيذه لضربة جزاء أمام السنغال قد يكون تحاملا على لاعب ريال مدريد، فهذا الأخير قدّم واحدا من أفضل المستويات في المسابقة برمتها، إذ تحمّل دور القيادة وكان حاضرا بإمكانياته الفردية وسخائه البدني في معظم المواجهات التي خاضها المغرب في المنافسة.

بيد أن الصورة التي اختارها صاحب الـ26 سنة في التعاطي مع ضربة الجزاء تضعه محط مساءلة مشروعة، خاصة أنه كان يملك بين قدميْه فرصة إسعاد شعب بأسره، وترجمة منظومة كروية عملت المملكة على تنميتها وتجويدها لأكثر من 15 سنة، بل خصّصت لها ميزانيات مالية مهمة على مختلف الأصعدة.

وأبدت طريقة تنفيذ دياز لضربة الجزاء هذه عدم استيعابه لأهمية اللحظة ورمزية هذا اللقب بالنسبة للجماهير المغربية التي لم تتذوق لأجيال متعاقبة طعم التتويج بكأس أمم إفريقيا، ويحدث هذا في غياب توجيه للاعب من زملائه أو أفراد الطاقم التقني في تلك اللحظة الدقيقة.

الترحيب المبالغ فيه للمنتخبات الزائرة

خصّص المغرب استقبالا حارا وظروفا مريحة لكل المنتخبات المشاركة في كأس أمم إفريقيا، ووفّر أيضا كل الوسائل المطلوبة للجماهير، وقد رفع من خلال ذلك سقف التنظيم عاليا، غير أن البعض عاتب المملكة على مبالغتها في إكرام الضيوف، وخِدمتها عبر مواطنيها بكل الإمكانيات الممكنة وحتى غير الممكنة لإرضاء الوافدين على البلد.

ورغم أن هذا الجانب لا يبدو متصلا مباشرة بمباريات المنتخب الوطني ونتائجها أمام الخصوم، غير أن العديدين اعتبروا أن هذه الظروف التنظيمية المرصودة شجّعت المنتخبات الزائرة وجماهيرها على الاستفادة منها وترجمة ذلك على أرضية الملعب.

غياب الاعتراض الإداري على المبادرة السنغالية

بالعودة إلى شريط المقابلة النهائية، سيستحضر المسؤولون عن المنتخب الوطني بعض الحالات التي لم يحسنوا التعاطي معها، ومن أهمها انسحاب المنتخب السنغالي من أرضية الملعب احتجاجا على القرار التحكيمي، وما رافقه من أحداث لم تصب في مصلحة “أسود الأطلس” خلال اللقاء.

ولاحظ الكثيرون أن الطاقم الإداري للمنتخب المغربي كان حريا به تقديم شكوى رسمية إلى مندوب المقابلة للاعتراض على سلوك المكونات السنغالية، والمطالَبة بـ”جبر الضرر” عن الدقائق التي استهلكتها في التهديد بالانسحاب ومغادرة رقعة الميدان وكذلك التسيب الذي عرفته المواجهة جراء ذلك.

وبينما كان من الجدير سلك هذه الاستراتيجية، عمل أفراد النخبة الوطنية، كما أسلفنا الذكر، على السعي لإقناع المنتخب السنغالي بالعدول عن قراره وتهديداته، وهو ما يمكن القول بأنه كلّف الكرة المغربية لقبا طال انتظاره، ولازال سيستمر لسنة واحدة على الأقل.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا