تلجأ فئات من المدرّبين واللاعبين والمسؤولين بعدد من الفرق الكروية، عقب الإخفاق في التظاهرات الرياضية الكبرى، إلى إرجاع النتائج السلبية لعوامل خارجية، من قبيل الحديث عن مؤامرة محبوكة، أو سحر مزعوم، أو تحيّز تحكيمي، أو شراء للذمم، وهو سلوك يتكرّر كلما ارتفعت قيمة الرهان وضاقت إمكانات التفسير الموضوعي المرتبط بالأداء التقني والتدبيري.
ويثير هذا السلوك نقاشًا واسعًا من زاويتين متكاملتين، زاوية رياضية تبحث في حدود تأثير العوامل الخارجية وحدود توظيفها كآلية للهروب من المسؤولية والمحاسبة، وزاوية نفسية اجتماعية تسعى إلى فهم الدوافع العميقة للبحث عن شماعات تفسيرية جاهزة، وعلاقتها بآليات الدفاع النفسي وبالتمثلات الجماعية للفشل والنجاح.
مصطفى القرفي، إطار وطني ذو تجارب دولية في تدريب فرق كرة القدم، قال إن “ظاهرة تبرير الفشل الرياضي بعوامل خارجية تندرج ضمن ما يسمى الانحياز الذاتي، حيث يميل الأفراد إلى تحميل الإخفاق لأسباب خارجية، مقابل نسب النجاح إلى الجهد الذاتي، وهي آلية نفسية شائعة في الرياضة والحياة اليومية على حد سواء”.
وأضاف القرفي أن “المدربين واللاعبين يلجؤون إلى هذا السلوك حفاظاً على الثقة في النفس والصورة العامة، خاصة في بيئة تنافسية قاسية، حيث يصبح الاعتراف بالأخطاء التقنية أو التكتيكية تهديداً مباشراً للسمعة أمام الجماهير والإعلام، فيتم تعويض ذلك بصناعة أعذار تخفف الضغط الآني”.
وأوضح المتحدث ذاته، في تصريح لهسبريس، أن “بعض التصريحات التي رافقت بطولات كبرى، مثل الحديث عن التحكيم أو البرمجة أو السفر، تعكس هذا التوجه، إذ يتم توظيف هذه العوامل لتهدئة الرأي العام، بدل مواجهة حقيقة الأداء المتواضع أو الاختلالات الفنية التي تتطلب مراجعة عميقة ومسؤولة”.
وأشار الإطار الوطني إلى أن “الضغط الإعلامي والاجتماعي في بلدان تعتبر كرة القدم جزءاً من هويتها الوطنية يحول الهزيمة أحياناً إلى قضية عامة، ما يدفع الفاعلين الرياضيين إلى البحث عن عدو خارجي، هروباً من اتهامات التقصير، وهو ما يفسر تصعيد الخطاب بعد بعض الإقصاءات القارية”.
كما سجل القرفي أن “خطورة هذا السلوك تكمن في كونه مريحاً على المدى القصير، لكنه مدمر على المدى البعيد، لأنه يعطل آليات التعلم، ويحول الفريق إلى ضحية دائمة، بدل تشجيعه على تحليل حقيقي لنقاط الضعف، سواء تعلق الأمر باللياقة أو الإعداد أو التركيز الذهني”.
وأكد المصرح نفسه أن “الفرق الكبرى التي تفرض احترامها قارياً وعالمياً هي تلك التي تتحمل مسؤولية إخفاقاتها، وتستثمر الهزيمة كفرصة لإعادة البناء، دون البحث عن شماعات خارجية، لأن التطور الرياضي لا يتحقق إلا بالاعتراف بالأخطاء والعمل الجاد على تصحيحها”.
وختم المحلل الرياضي تصريحه بالقول إن “الرياضة يجب أن تبقى مجالاً للتقارب والروح الرياضية، لا وسيلة للتصعيد أو التسييس، فالنجاح الحقيقي يكمن في احترام المنافس، وتقدير التنظيم، والتعلم من التجربة، بدل الإصرار على تبرير الفشل بعوامل خارجية لا تصنع مستقبلاً أفضل لكرة القدم”.
من منظور علم النفس الإكلينيكي قالت ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، إنه “يمكن فهم لجوء بعض المدرّبين واللاعبين إلى تبرير الإخفاق بعوامل خارجية بوصفه آلية دفاع نفسي تهدف أساسًا إلى حماية الذات من الألم النفسي المرتبط بالفشل”، مشددة على أن “الفشل في التظاهرات الرياضية الكبرى لا يُمثّل مجرد خسارة تقنية، بل يُهدّد صورة الفرد عن نفسه، ومكانته الاجتماعية، وشعوره بالكفاءة والجدارة”.
وأضافت الأخصائية ذاتها، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الأنا عندما يكون هشًّا أو مبنيًا بشكل مفرط على النجاح والانتصار يصبح معه الاعتراف بالفشل تجربة جارحة، تُثير مشاعر العار والإحباط والدونية، وهنا يتدخّل العقل عبر آليات دفاعية لاواعية، أبرزها الإسقاط، حيث يُنسب الإخفاق إلى عوامل خارجية بدل تحمّل المسؤولية الذاتية، والتبرير الذي يمنح الفشل معنى مقبولًا نفسيًا يخفّف من حدّة الصدمة”.
وأكدت المتحدثة ذاتها أن “هذا السلوك يرتبط بما يُعرف في علم النفس بمركز الضبط الخارجي (External Locus of Control)، إذ يميل الفرد إلى الاعتقاد بأن ما يحدث له تحدّده قوى خارجية لا يمكن التحكم فيها، بدل الجهد الشخصي أو الاختيارات التكتيكية”، مردفة بأن “هذا النمط من التفكير يحدّ من القدرة على النقد الذاتي والتعلّم من الأخطاء، ويُبقي الشخص في دائرة تكرار الفشل”.
ومن زاوية أخرى أوردت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية أن “هذه التفسيرات قد تتحوّل إلى شكل من التفكير شبه الوهامي الجمعي عندما تُتداول داخل الفريق أو بين الجماهير، حيث يتم تعزيزها اجتماعيًا والتطبيع معها ثقافيًا، خاصة في البيئات التي يسود فيها ضعف ثقافة المحاسبة وغياب التقييم العلمي للأداء؛ وفي هذه الحالة لا تعود التبريرات مجرد دفاع فردي، بل تصبح خطابًا جماعيًا يحمي المنظومة ككل من مساءلة حقيقية”.
وختمت ندى الفضل توضيحها بالإشارة إلى أن “هذا النمط من الدفاع يمنح راحة مؤقتة، لكنه على المدى المتوسط والطويل يُعيق التطور الرياضي، لأنه يمنع مواجهة نقاط الضعف الحقيقية (الإعداد البدني، الذهني، التكتيكي)، ويغذّي عقلية الضحية بدل عقلية المسؤولية؛ لذلك يُعدّ الاعتراف بالفشل وتحليل أسبابه الواقعية علامة على نضج نفسي، وقوة الأنا، وقدرة أعلى على التعلّم والتكيّف، وهي عناصر أساسية في بناء فرق رياضية ناجحة ومستقرة”.
المصدر:
هسبريس