خاص | دي ميستورا يقر بتعثر مفاوضات الصحراء ويقترح إجراءات لبناء الثقة ويدعو إلى حكم ذاتي حقيقي بضمانات دولية
أقر المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، بوصول المفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع إلى “طريق مسدود”، رغم التقدم الذي تحقق خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، داعياً مجلس الأمن الدولي إلى توضيح الإطار السياسي للمفاوضات المقبلة، وجعل الحكم الذاتي أساساً لها، شريطة أن يكون “حقيقياً” وخاضعاً لعملية ذات مغزى لتقرير المصير، ومدعوماً بضمانات دولية قوية تكفل تنفيذه.
وجاء هذا التقييم في إحاطة قدمها دي ميستورا، الخميس 8 أكتوبر 2026، خلال جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي، وفق نص مداخلته المكون من أربع صفحات، التي حصل عليها موقع “لكم” حصرياً.
وقال المبعوث الأممي إنه حاول، خلال السنوات الخمس الماضية، التوصل إلى حل مقبول من الطرفين عبر مقاربات متعددة ومقترحات للتسوية، مشيراً إلى أنه كان يشعر بـ”تفاؤل حذر” عندما قدم إحاطته السابقة في أبريل الماضي، عقب استئناف العملية السياسية في يناير 2026.
وأوضح أنه شارك، إلى جانب السفير الأمريكي مايك والتز، وبدعم من المستشار الرئاسي الأمريكي مسعد بولس، في رئاسة ثلاث جولات من المفاوضات رفيعة المستوى، عُقدت في واشنطن ومدريد خلال الربع الأول من السنة الجارية.
غير أنه أقر بأن هذه الجهود، رغم وصفه التقدم المحرز خلالها بأنه “تاريخي”، لم تنجح في تجاوز الخلافات الجوهرية بين الأطراف.
وقال دي ميستورا أمام أعضاء المجلس: “علينا الآن أن نعترف بأننا اصطدمنا بجدار في المفاوضات”، مضيفاً أنه يرى هذا الجدار “شبه مستحيل التجاوز دون تحرك من مجلس الأمن”.
وعزا المبعوث الأممي حالة الجمود إلى ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في استمرار انعدام الثقة بين الأطراف، ورفض جبهة البوليساريو الخوض بجدية في تفاصيل الحكم الذاتي بوصفه حلاً محتملاً استناداً إلى القرار 2797، فضلاً عن التعقيد الذي تتسم به القضايا المطروحة للتفاوض.
مقترح مغربي من 39 صفحة
وكشف دي ميستورا أن المغرب قدم مشروعاً موسعاً لنظام الحكم الذاتي يتكون من 39 صفحة، معتبراً أنه يوفر “أساساً متيناً للمفاوضات”، لكنه شدد في المقابل على أنه ليس وثيقة جاهزة للاعتماد بصيغتها الحالية، وأن التوصل إلى اتفاق بشأنها يتطلب مفاوضات إضافية.
ودعا مجلس الأمن إلى إزالة ما وصفه بالغموض الذي يكتنف القرار 2797، موضحاً أن هذا الغموض كان ضرورياً في البداية للسماح بإعادة إطلاق العملية السياسية، لكنه لم يعد، في تقديره، عاملاً مساعداً على إحراز تقدم.
واعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي أصبح، في الظروف الراهنة، الخيار الأكثر استحقاقاً للاهتمام، بالنظر إلى تطور مواقف الأطراف والآراء التي عبر عنها عدد كبير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
غير أنه وضع ثلاثة شروط أساسية لأي تسوية تقوم على هذا الخيار، تتمثل في أن يكون الحكم الذاتي فعلياً وليس مجرد تسمية، وأن يخضع لعملية ذات مغزى لتقرير مصير سكان الصحراء، وأن يحظى بضمانات دولية قوية من مجلس الأمن لمراقبة تنفيذه الكامل.
صلاحيات فعلية ومشاركة البوليساريو
وفي تفصيله لمفهوم “الحكم الذاتي الحقيقي”، أوضح دي ميستورا أنه ينبغي أن يقوم على مؤسسات تتمتع بصلاحيات فعلية، تتيح لسكان الصحراء التحكم في القرارات السياسية التي تؤثر في حياتهم اليومية.
وأضاف أن هذا النظام يجب أن يسمح للاجئين الصحراويين بالعودة في ظروف آمنة وكريمة، وأن يمكّن الصحراويين من سن القوانين التي تنظم حياتهم، وإدارة المؤسسات والخدمات العمومية، وتولي مناصب القضاء، والمشاركة في الأنشطة الاقتصادية والتجارية، والاضطلاع بمسؤوليات حفظ النظام والأمن.
وشدد بصورة خاصة على ضرورة أن يجعل أي اتفاق جبهة البوليساريو وصحراويين آخرين شركاء في حكم الإقليم، وأن يتضمن ضمانات تحول دون إلغاء نظام الحكم الذاتي أو تقويضه بقرار إداري أو مرسوم.
وأكد أن أي صيغة متفق عليها يجب أن تكون محمية بضمانات دولية قوية تكفل استمرار تطبيقها، وأن تحظى بمصادقة السكان من خلال ممارسة فعلية وذات مغزى لحق تقرير المصير.
وقال المبعوث الأممي إن الحكم الذاتي “لا يمكن أبداً فرضه ببساطة على شعب الصحراء الغربية”، مؤكداً حق الصحراويين في الاطلاع على تفاصيل المقترح المطروح والتشاور بشأنه.
مبادرة أممية لزيارة العيون والداخلة
وكشف دي ميستورا، في إحاطته، عن مبادرة أعدها بالتنسيق مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، تتيح للاجئين الصحراويين القيام بزيارات فردية وطوعية إلى مدينتي العيون والداخلة.
وأوضح أن المبادرة عُرضت على جبهة البوليساريو في رسالة مؤرخة في 2 سبتمبر، وقعها إلى جانبه كل من المفوض السامي لشؤون اللاجئين والسفير الأمريكي مايك والتز.
وتهدف هذه الزيارات، وفق المبعوث الأممي، إلى تمكين اللاجئين من الاطلاع المباشر على الأوضاع في الإقليم، وطرح أسئلة بشأن مشروع الحكم الذاتي، بما قد يساعد على تطوير المقترحات المطروحة وإشراك فئات أوسع من الصحراويين في النقاش حول مستقبل المنطقة.
وكشف أن البوليساريو ردت على الرسالة في 14 سبتمبر، معربة عن “استعدادها للتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لتسهيل تنفيذ المبادرة المقترحة”.
واعتبر دي ميستورا أن هذا الرد يمثل انفتاحاً ينبغي البناء عليه، داعياً إلى عدم إغفال أوضاع اللاجئين في مخيمات تندوف، وكذلك الصحراويين المقيمين في بلدان أخرى، ولا سيما موريتانيا.
دعوة إلى مرونة من المغرب والبوليساريو
وفي ختام إحاطته، أقر دي ميستورا بأن تقييمه الصريح قد يدفع الأطراف إلى الاعتقاد بأنه تجاوز حدود الحياد المفترض في مهمته، لكنه دافع عن موقفه قائلاً إن “الحياد لا يمكن أن يكون مرادفاً للسلبية”، خصوصاً في هذه المرحلة التي وصفها بالحاسمة.
وأعرب عن أمله في أن يدعو القرار المقبل لمجلس الأمن الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات منسقة وبحسن نية لاستكشاف إمكانية التوصل إلى حكم ذاتي حقيقي لسكان الإقليم.
وأوضح أن المطلوب من جبهة البوليساريو ليس القبول ببساطة بالمقترح المغربي، وإنما مناقشته وطرح الأسئلة بشأنه، والمطالبة بتحسينه وتوضيح بنوده، وتقديم اقتراحات بناءة حول عناصره التفصيلية، بهدف التوصل إلى تسوية تحظى بدعم دولي.
وأعرب عن أمله في أن تتخذ الجبهة هذه الخطوة قبل نهاية العام الجاري، مشدداً في الوقت نفسه على أن التوصل إلى اتفاق سيتطلب “مرونة تاريخية وشجاعة”، ليس من جبهة البوليساريو وحدها، وإنما من المغرب أيضاً.
وتأتي هذه الإحاطة في وقت يستعد فيه مجلس الأمن لمناقشة القرار المقبل بشأن الصحراء، وسط مساع دبلوماسية لإحياء العملية السياسية المتعثرة.
وتكشف مداخلة دي ميستورا عن توجه نحو إعطاء الحكم الذاتي موقعاً مركزياً في المفاوضات المقبلة، مع التأكيد على أن المقترح المغربي، رغم اعتباره أساساً جدياً للتفاوض، لا يمثل اتفاقاً نهائياً، وأن أي تسوية تظل مشروطة بالتفاوض حول مضمونها، وضمان مشاركة الصحراويين فيها، وإخضاعها لعملية تقرير مصير ذات مغزى، وإقرار ضمانات دولية لتنفيذها.