اليحياوي: التصويت العقابي كان حاضرا في الانتخابات.. وحراك جيل “زد” والهروب الجماعي لسبتة يمثلان حالة عداء حرجة للسياسة
قال مصطفى اليحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إن المغرب يعيش تحولات مجتمعية لا يمكن القفز عليها أثناء تحليل نتائج الانتخابات أو الوقائع السياسية بشكل عام، معتبرا أن هناك تمثلات جديدة حول مفهوم المواطنة تختلف اختلافا كبيراً عن التمثلات التقليدية.
وأوضح اليحياوي، خلال مشاركته في ندوة نظمها الحزب “الاشتراكي الموحد” بالرباط يوم الخميس، أنه لا يتم التعامل مع هذه التحولات بجدية نظرا لصعوبة الوصول إلى المعطيات الدقيقة والمُحينة، مؤكدا أنه لا يمكن قراءة السياق الانتخابي في المغرب دون معرفة هذه التحولات وتحليلها.
وتساءل المتحدث عما إذا كان للتصويت العقابي مدلول مجالي في انتخابات 2026 أم لا، مؤكدا أنه كان حاضرا بالفعل، لكن ينبغي تحديد ما إذا كان قد استهدف الحزب الذي ترأس الحكومة فقط، وما إذا كانت الطبقة المتوسطة في المدن هي من تصدّت بالتصويت العقابي ضد أحزاب الأغلبية الحكومية.
وأشار اليحياوي إلى أن حزب “التجمع الوطني للأحرار” فقد 680 ألف صوت في المجالات التي يقل عدد سكانها عن 50 ألف نسمة، وهي مناطق ذات طابع قروي ومدن صغرى، فيما فقد حزب “الأصالة والمعاصرة” 200 ألف صوت في هذه المناطق، بينما رفع حزب “العدالة والتنمية” منسوب أصواته فيها بأكثر من 200 ألف صوت، وهو ما يؤكد أن التصويت العقابي كان حاضرا في انتخابات 23 شتنبر.
وأكد أنه لا يمكن القول بشكل قاطع إن المال هو المحدد الوحيد للفائز في الانتخابات بالمجالات القروية، مضيفا: “نعم يُستعمل المال وتأثر محددات أخرى كالقبيلة، لكن ثمة محددات وتحولات جديدة يعيشها المجتمع المغربي”.
وسجل الباحث الأكاديمي معطيات ميدانية استقاها من دراسة حديثة أجراها، توصل فيها إلى أن معظم رؤساء الجماعات في المغرب لا علاقة لهم بمفهوم “الأعيان”، ومن بينهم عدد كبير من الشباب الذين تأطروا في جامعات مغربية كجامعة القاضي عياض بمراكش وجامعة ابن زهر بأكادير.
وتساءل عما إذا كان اليسار المغربي، بحضوره في الجامعات ومهامه التأطيرية، قادرا على مواكبة شبابه عند عودتهم إلى مناطقهم القروية، مشيرا إلى أنه منذ حركة المعطلين في التسعينيات، لم يعد اهتمام المعطلين منصبا على البقاء في المدينة، بل أصبح المناضل يعود إلى “دواره” برهان مدني جديد يرمي إلى العمل من داخل الجماعات الترابية.
وأضاف اليحياوي أنه يجب التساؤل عن نسبة المشاركة في كل دائرة انتخابية، والتي تظهر تراجعا مقارنة بانتخابات 2007، مشددا في الوقت ذاته على أن الخريطة الانتخابية بالمغرب هي “خريطة أزمة”، وعلى الأحزاب والدولة الاعتراف بأنه بعد 20 سنة من إصلاح النظام الانتخابي، عدنا إلى الإشكال نفسه المتمثل في ضعف نسبة المشاركة.
ودعا إلى الانتباه لفترة التسجيلات الانتخابية الاستثنائية التي تختتم في 30 مارس من كل سنة انتخابية، لافتا إلى أنه سبق ونبه في مقال نشره في يوليوز الماضي إلى وجود عجز في تسجيل فئة الشباب (من 18 إلى 28 سنة)، وهو ما يعني خسارة أكثر من مليون ناخب جديد. وشهدت هذه الفترة بالتحديد ظهور حالة عداء حرجة للسياسة تجسدت في حراك “جيل زد”، فضلا عن حالة عداء ثانية تمثلت في الهروب الجماعي نحو سبتة المحتلة.
وشدد اليحياوي على أن الكلفة الحقوقية لدستور 2011 ترسخت عمليا في المجتمع، وظهرت من خلال مطالب متعددة تُرفع خارج الزمان الانتخابي الذي لم يعد كافيا، مما يدفع إلى اللجوء لأساليب أكثر مرونة كالحركات الاحتجاجية، لافتا إلى أن الاحتجاجات في أحيان كثيرة لا تكون لإسماع الصوت فحسب بل للاستنكار، كما حدث مع حراك الريف وزاكورة وغيرهما.
خلص اليحياوي إلى أن هذه المعطيات تتيح فهم خلفيات التصويت العقابي، معتبرا في الوقت ذاته أن العودة الانتخابية القوية لحزب “العدالة والتنمية” لا يمكن ربطها بالتصويت العقابي وحده بل بـ”التصويت النضالي”، كون الحزب عاد إلى وضعه التنظيمي والشعبي القريب مما كان عليه قبل سنة 2011.