يحياوي: “الكتلة التاريخية” مخرج استراتيجي لتأمين الحكومة المقبلة.. والأحرار أقرب لـ”المساندة النقدية”
قال مصطفى يحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية وتقييم السياسات العمومية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إن التحالفات والتوافقات التي تفرضها المرحلة السياسية الحالية تعيد إلى الواجهة أطروحة “الكتلة التاريخية”، باعتبارها خيارا سياسيا قادرا على تأمين قدر من الاستقرار للحكومة المقبلة في سياق وطني ودولي وصفه بالحساس.
وأوضح يحياوي في تصريح مطول مع جريدة “العمق المغربي”، أن استحضار هذه الأطروحة لا يعني العودة الحرفية إلى التجارب السابقة، وإنما استلهام تقاليد التوافق السياسي التي عرفها المغرب في محطات تاريخية مختلفة، خاصة خلال مرحلة التسعينيات مع الكتلة الديمقراطية والكتلة الوطنية، مشيرا إلى أن هذه التجارب راكمت أرضية سياسية يمكن الاستناد إليها في تدبير المرحلة المقبلة.
وأكد أن السياق الحالي، خصوصا في ظل الاستحقاقات الوطنية المرتبطة بالقضية الوطنية، يفرض وجود حكومة مسنودة سياسيا وقادرة على تأمين المصالح المغربية وتعبئة الجبهة الداخلية، معتبرا أن وزارة الخارجية وحدها لا يمكنها تدبير هذه الملفات بمعزل عن حكومة ذات سند سياسي قوي.
وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ الجغرافيا السياسية أن الأطروحة التي اشتغلت عليها أحزاب الكتلة الوطنية تظل، في نظره، من بين المداخل السياسية الممكنة لتوفير مسوغ داخلي قوي للحكومة المقبلة، مبرزا أن طبيعة المرحلة تفرض البحث عن صيغة توافقية تتجاوز الحسابات الظرفية والتحالفات الانتخابية الضيقة.
التوافق السياسي بدل الاستقطاب
وحذر يحياوي من العودة إلى منطق الاستقطاب السياسي والمجتمعي الحاد، معتبرا أن هذا الخيار قد يفتح المجال أمام تناقضات سياسية ومجتمعية تهدد التوازن الذي عرفه المغرب خلال مراحل سابقة.
وأشار إلى أن المغرب تمكن، في مراحل مختلفة، من تفادي الاستقطاب الحاد عبر إدماج عدد من القضايا الكبرى في إطار مؤسساتي، مستحضرا في هذا الصدد مرجعية إمارة المؤمنين باعتبارها أحد العوامل التي حالت دون تحول التنافس السياسي إلى استقطاب قائم على أطروحات دينية متعارضة.
وأضاف أن التقليد التوافقي في المغرب قام على تعددية سياسية مقبولة من مختلف الأطراف، معتبرا أن هذه التعددية ظلت جزءا من آليات اشتغال النظام السياسي، بحيث لا يؤدي تصدر حزب للانتخابات بالضرورة إلى تمكينه من حكم البلاد بشكل منفرد.
وأوضح أن الخارطة الانتخابية المغربية لا تفرز، في الغالب، حزبا قادرا على تشكيل حكومة بمفرده، وهو ما يجعل التحالفات أمرا بنيويا في الحياة السياسية، لكنه شدد في المقابل على ضرورة أن تكون هذه التحالفات ذات مضمون سياسي وبرنامجي واضح، وليس مجرد ترتيبات لتجميع الأغلبية.
“الكتلة التاريخية” ومرحلة ما بعد انتخابات 2026
ويرى يحياوي أن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة ينبغي قراءتها في ضوء الرسائل التي حملتها نسبة المشاركة وتصويت الناخبين، معتبرا أن هذه النتائج تعكس رغبة في إحداث تغيير سياسي، وأن الأغلبية التي قادت الحكومة خلال الولاية السابقة مطالبة باستخلاص الدروس السياسية من هذه النتائج.
وقال إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى “احتكام واقعي” إلى إرادة الناخب، معتبرا أن السياسات العمومية يجب أن تضع في مقدمة أولوياتها مواجهة غلاء الأسعار، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وخلق فرص الشغل، إلى جانب تقديم حلول ملموسة في عدد من المجالات الاجتماعية والاقتصادية.
وبحسب يحياوي، فإن “الكتلة التاريخية” التي يتحدث عنها يمكن أن تقوم، في تصورها السياسي، على أحزاب مثل حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، انطلاقا من الخلفيات والأطروحات السياسية التي تحملها هذه التنظيمات.
وأكد أن الأمر لا يتعلق، في تصوره، بتحالف تكتيكي عابر، وإنما بخيار استراتيجي يهدف إلى تأمين استقرار الحكومة المقبلة، خصوصا في ظل التحولات التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة.
من التوافقات التقليدية إلى “توافق جديد”
وفي المقابل، اعتبر أستاذ الجغرافيا السياسية أن موقع حزب التجمع الوطني للأحرار في المرحلة المقبلة سيكون محكوما بظروف سياسية جديدة، مرجحا أن يكون أقصى ما يمكن أن يذهب إليه الحزب هو الحفاظ على علاقة مع الحكومة من خلال ما سماه “المساندة النقدية”.
وأوضح أن التجمع الوطني للأحرار، في حال انتقاله إلى المعارضة، سيكون أمام تحدي تطوير أطروحته السياسية وتقديم عرض جديد يتلاءم مع التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، منتقدا ما اعتبره غيابا، خلال مراحل سابقة، لعرض سياسي واضح لدى عدد من الأحزاب.
وقال إن المرحلة المقبلة تتطلب من الأحزاب إعادة بناء أطروحاتها السياسية، وعدم الاكتفاء بخطابات عامة، معتبرا أن التحولات الاجتماعية والسياسية تفرض مراجعة عميقة للأدوار التي تقوم بها التنظيمات السياسية.
ويرى يحياوي أن المغرب عرف، خلال عهد جديد، تحولا في قواعد التوافق السياسي، من خلال بروز مقاربات تشاركية شاركت فيها نخب أكاديمية وسياسية، وأفضت إلى إنتاج عدد من الوثائق المرجعية، من بينها تقرير الخمسينية، وتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة، ثم تقرير النموذج التنموي الجديد.
وأشار إلى أن هذه الوثائق لم تتحول إلى موضوع للتقاطب الانتخابي بين الأحزاب، وهو ما اعتبره دليلا على أن التوافق حول عدد من القضايا الكبرى جرى في مستويات تتجاوز التنافس الحزبي المباشر.
وبحسب يحياوي، فإن نجاح “الكتلة التاريخية” في المرحلة الحالية قد يعني العودة إلى تقاليد التوافق السياسي التقليدي، في مقابل التوافقات الجديدة التي طبعت مراحل مختلفة من العهد الجديد.
كما استحضر تجربة عبد الإله بنكيران، مشيرا إلى أن أطروحة الكتلة التاريخية طرحت في وقت مبكر من تجربة حكومة العدالة والتنمية، وأن النقاش حولها كان حاضرا منذ سنة 2011، حين جرت محاولات لإشراك الاتحاد الاشتراكي في صيغة حكومية، غير أن هذه المحاولة لم تكتمل.
فرصة جديدة أمام المنصوري؟
ويرى يحياوي أن رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة المقبلة، فاطمة الزهراء المنصوري، توجد أمام فرصة لإعادة طرح هذا التصور، خصوصا بالنظر إلى تركيبة اللجنة التي تدبر المشاورات، والتي تضم قيادات من الأصالة والمعاصرة، من بينهم أحمد اخشيشن وعبد اللطيف وهبي وفوزي لقجع.
واعتبر أن حضور هذه الأسماء قد يعكس، في نظره، توجها نحو البحث عن صيغة سياسية تتجاوز الاصطفافات التقليدية، مشيرا إلى وجود تقاطعات في بعض الرؤى السياسية بين عدد من مكونات المشهد الحزبي الحالي.
وأضاف أن المنصوري، باعتبارها تقود مرحلة سياسية جديدة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، تبدو واعية بضرورة تدبير التوازنات السياسية، وعدم الانخراط في خيارات قد تضعف الحزب أو الحكومة المقبلة.
وفي السياق ذاته، توقف يحياوي عند دور عدد من القيادات الحزبية في الحفاظ على التنظيمات السياسية واستمراريتها، مشيرا إلى أن بعض القيادات، وعلى رأسها إدريس لشكر، راكمت خبرة تنظيمية وسياسية مكنتها من الحفاظ على حضور أحزابها خلال مراحل صعبة.
وشدد على أن إعادة بناء التوافق السياسي في المغرب لا يمكن أن تتم فقط من خلال الترتيبات الحكومية، وإنما تحتاج أيضا إلى إعادة بناء الأطروحات السياسية للأحزاب، وتجديد نخبها، واستعادة قدرتها على إنتاج أفكار ومشاريع تتلاءم مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
وخلص يحياوي إلى أن المرحلة المقبلة تضع الفاعلين السياسيين أمام اختبار مزدوج: من جهة، ضمان الاستقرار السياسي والمؤسساتي، ومن جهة ثانية، الاستجابة للرسائل التي حملتها الانتخابات الأخيرة، خصوصا ما يتعلق بالمطالب الاجتماعية والاقتصادية وبالحاجة إلى تجديد العرض السياسي للأحزاب.