أكد عبد اللطيف أعمو، عضو مجلس جهة سوس ماسة، أن أهمية دورة أكتوبر 2026 لا تكمن فقط في المصادقة على أرقام أو اعتمادات مالية، بل في كونها تضع المجلس أمام سؤال سياسي ومؤسساتي جوهري: “أي جهة نريد؟ هل نريد جهة تكتفي بتدبير الالتزامات المالية والشراكات القائمة، أم جهة تمتلك رؤية تنموية واضحة، وتستعمل مواردها وصلاحياتها لتحديد أولوياتها وممارسة قرارها السياسي والاقتصادي والترابي؟”.

وشدد أعمو، في تدخله خلال انعقاد أشغال مداولات مجلس جهة سوس ماسة، اليوم الاثنين بمدينة تارودانت، على أن “تقييم المرحلة المنتهية لا ينبغي أن ينحصر في جرد ما تحقق من مشاريع، بل يقتضي الوقوف عند موقع الجهة داخل السياسات الوطنية، ومدى انعكاس الاختيارات التشريعية والمالية والاستثمارية على واقعها التنموي، واستشراف الأولويات التي يتعين الدفاع عنها خلال المرحلة المقبلة”.

وأضاف أعمو أن “الرهان اليوم هو أن تظل جهة سوس ماسة حاضرة بقوة في النقاش الوطني حول النموذج التنموي، والعدالة المجالية، والاستثمار، والماء، والتشغيل، والبنيات التحتية، والتنمية المستدامة، وأن تكون الاستحقاقات المقبلة مناسبة لتجديد التعاقد حول هذه الأولويات، في إطار من التكامل بين العمل الجهوي والعمل البرلماني والعمل الحكومي”.

وأوضح أن “مشاريع وبرامج هذه الدورة تكشف عن إمكانات مالية مهمة، سواء من خلال مشروع ميزانية 2027 أو عبر إعادة برمجة اعتمادات 2026؛ حيث يبرز فائض تقديري يقارب 605 ملايين درهم، يظل منه حوالي 499.5 مليون درهم غير مبرمج. وهذا الرقم يفتح أمام الجهة هامشاً مهماً لمواصلة الاستثمار والاستجابة للحاجيات المتزايدة لمجالاتنا الترابية، ليظل الرهان الحقيقي هو الانتقال من برمجة المشاريع إلى إنجازها، ومن الالتزام المالي إلى الأثر الملموس على المواطن. فالمطلوب اليوم هو تسريع وتيرة التنفيذ، وضمان احترام الآجال، وربط الشراكات والاعتمادات بمؤشرات واضحة للإنجاز والنتائج”.

ونبه القيادي الجهوي إلى أن “أولويات الجهة ينبغي أن تظل مرتبطة بالحاجيات الأساسية لسكانها: الماء والبيئة، التنمية الحضرية والقروية، الاستثمار وخلق فرص الشغل، دعم الفئات الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، مع إيلاء عناية خاصة للمناطق القروية والجبلية والأقاليم التي تحتاج إلى مزيد من العدالة في توزيع ثمار التنمية”. واستدرك موضحاً: “غير أن هذه المهام يصعب تحقيقها إذا لم يتحسن المناخ السياسي، ليكون قادراً على تعبئة كل سكان الجهة حول مشروع تنموي متكامل يشمل كل المرافق. فالنقاش الذي نحن بصدده ينبغي أن يتجاوز القراءة المحاسباتية للميزانية – دون الاستغناء عن الدقة المالية – ليربط بين ثلاثة عناصر أساسية: الموارد والالتزامات، والعدالة المجالية، والقرار السياسي للمجلس المنتخب”.

وأكد أعمو أن “تعزيز الموارد المالية للجهات، في سياق الإصلاحات القانونية والمؤسساتية، ينبغي أن يقابله تعزيز القدرة على اتخاذ القرار، وتحديد الأولويات، وتحمل المسؤولية السياسية عن النتائج؛ إذ لا يمكن توسيع مسؤولية مجلس الجهة أمام المواطنين دون توضيح حجم الموارد التي يتحكم فيها فعلياً، وحجم الالتزامات التي تحد من هامش اختياراته. ومن هذا المنطلق، نرى أن من الضروري التوفر على رؤية واضحة لتنمية الموارد الذاتية للجهة، ومناقشة كيف يمكن تحويل تطور الموارد المالية إلى تطور موازٍ في القدرة على المبادرة والاستثمار بشكل مؤسساتي”.

مفارقة الفائض التقديري والبرمجة الاستثمارية

ولعل أهم ما يستوقفنا في مشروع الميزانية، وفق رأي أعمو، هو “المفارقة بين حجم الفائض التقديري من جهة، والبرمجة الاستثمارية أو حجم المبالغ التي تمت برمجتها فعليا من جهة أخرى: فمن أصل 605.025 ملايين درهم من الفائض التقديري، يُخصص مبلغ 105.460 ملايين درهم لسداد أصل القرض، بينما يبقى حوالي 499.565 مليون درهم غير مبرمج وفق الوثيقة المالية المعروضة؛ أي أننا نتحدث عن مبلغ يقارب 500 مليون درهم (يمثل حوالي 82.6% من الفائض التقديري) دون برمجة تفصيلية في الوثيقة الحالية”.

ولفت المتحدث إلى أن “تدبير المال العام يقتضي الاحتياط، وتحديد الفائض النهائي رهين بإقفال السنة المالية، وضبط الالتزامات القائمة، ومعرفة الموارد المتاحة فعليا. كما أن تأجيل التداول في ميزانية التجهيز إلى دورة مارس 2027، حسب المذكرة المتعلقة بمنهجية إعداد الميزانية، يرتبط بالرغبة في تحيين المعطيات المالية وترتيب المشاريع وفق قدرتها على التنفيذ والتمويل. وهو ما يدفعنا إلى طرح السؤال: كيف نضمن أن يتحول هذا الاحتياط المالي إلى برمجة استثمارية واضحة، بدلاً من أن يتحول تدبير الالتزامات السابقة إلى عامل محدد لهامش القرار التنموي للمجلس؟”.

وشدد أعمو على أن “المطلوب ليس برمجة اعتمادات غير مؤكدة أو إطلاق مشاريع دون دراسة جاهزة، بل وضع تصور متعدد السنوات يحدد الالتزامات المالية القائمة حسب كل اتفاقية ومشروع، والاعتمادات التي تم أداؤها، والمبالغ المتبقية وآجال أدائها، مع تبيان الموارد التي ستكون متاحة فعلياً بعد الوفاء بالالتزامات السابقة، إضافة إلى تحديد حجم الاعتمادات التي يمكن توجيهها لمشاريع جديدة والمعايير المعتمدة لترتيب الأولويات؛ وهو ما سيمكن من الانتقال من مجرد معرفة الفائض المحاسباتي إلى معرفة القدرة الاستثمارية الحقيقية للجهة. وهذا يجعل من دورة مارس المقبلة مناسبة لتقديم برمجة تجهيز واضحة، مرتبطة ببرنامج التنمية الجهوية ومبنية على معايير معلنة وقابلة للتتبع والتقييم”.

الشراكات والاتفاقيات.. وسؤال الاستقلالية والشفافية

وبخصوص موقع الاتفاقيات والشراكات في حكامة القرار الجهوي، قال أعمو إن “وثيقة الاتفاقيات والمشاريع تكشف عن اتساع مجالات تدخل الجهة، من الماء والطرق والنقل إلى الصحة والتعليم والسياحة والصناعة والثقافة والرياضة؛ وهو ما يتيح تجميع الموارد والاستفادة من خبرات مختلف المؤسسات لإنجاز مشاريع تتجاوز إمكانيات فاعل واحد. غير أن كثرة الاتفاقيات وتعدد المتدخلين يفرضان طرح سؤال مؤسساتي أساسي: ما موقع المجلس الجهوي في تحديد الأولويات، عندما يكون جزء مهم من المشاريع مهيأً أو محمولاً من طرف مؤسسات أخرى وتكتفي الجهة بالمساهمة في تمويله؟”.

واعتبر أعمو أن “الإشكال ليس في الشراكة بحد ذاتها، بل في طبيعتها ومدى قدرة المجلس على تحديد شروطها وأهدافها ومؤشرات نتائجها. فالمجلس المنتخب لا ينبغي أن تنحصر مسؤوليته في المصادقة على المساهمات المالية، بل تقتضي مسؤوليته السياسية تحديد الأولويات الترابية، وتقييم مدى انسجام المشاريع مع برنامج التنمية الجهوية، ومساءلة المتدخلين عن النتائج”.

ودعا أعمو إلى “وضع قاعدة بيانات جهوية موحدة للاتفاقيات، تكون متاحة لأعضاء المجلس، وتتضمن التكلفة الإجمالية لكل مشروع، ومساهمة كل طرف، والمبالغ المؤداة فعليا، والالتزامات المتبقية، إضافة إلى تاريخ انطلاق المشروع، وآجال الإنجاز، ونسبة التقدم الفعلي، والجهة الحاملة والمنفذة للمشروع، وعدد المستفيدين، ومؤشرات قياس الأثر، فضلا عن وضعية الاتفاقيات المتعثرة أو التي تحتاج إعادة جدولة. وهذا الإجراء يهدف إلى تقوية الشراكات، وحماية التوازنات المالية للجهة، وضمان استمرارية المشاريع”.

كما نبه أعمو إلى أن “تعدد الاتفاقيات الممتدة على عدة سنوات يطرح مسألة انتقال الالتزامات من ولاية انتخابية إلى أخرى؛ فمن حق المجلس الحالي برمجة مشاريع تمتد آثارها مستقبلا، ولكن من حق المجالس المقبلة أن تجد هامشا حقيقيا للمبادرة، ولا تكون جميع مواردها المستقبلية رهينة التزامات سابقة تفتقر إلى صورة مالية متكاملة، مما يتطلب ربط المصادقة على الاتفاقيات متعددة السنوات بدراسة أثرها على التوازن المالي وعلى هامش القرار المتبقي للمجلس للسنوات المقبلة”.

إشكالية العدالة المجالية والانتقال في توزيع الاعتمادات

وتوقف عضو مجلس الجهة عند “إشكالية العدالة المجالية والانتقال من توزيع المشاريع إلى توزيع فرص التنمية؛ فإذا كان برنامج التنمية الجهوية 2022–2027 قد جعل الإنصاف الترابي وفك العزلة عن العالم القروي في صلب محاوره، فإن ميزانية سنة 2027 تفرض مناقشة مدى انعكاس هذه الأولويات على الاعتمادات الفعلية؛ حيث تؤكد القراءة المالية انخفاض الاعتمادات المدرجة تحت بند التنمية القروية من 40 مليون درهم سنة 2026 إلى 25 مليون درهم سنة 2027 (أي بانخفاض قدره 37.5%). كما انخفضت اعتمادات برنامج المساعدة الاجتماعية والتأهيل الاجتماعي من 49.5 مليون درهم إلى 11.3 مليون درهم، ونقصت اعتمادات إنعاش الرياضة والترفيه من 44 مليون درهم إلى 4 ملايين درهم”.

وشدد أعمو في تدخله على أن “الإنصاف يقتضي مراعاة عدد السكان، ومستوى الهشاشة، والمساحة، ودرجة العزلة، وحاجيات البنيات الأساسية، ونسبة استفادة السكان من الخدمات العمومية. كما أن إقرار مؤشر جهوي للإنصاف الترابي في الاستثمار يرتكز على معايير موضوعية ومعلنة سيمكن المجلس من تقييم توزيع مساهماته المالية بين الأقاليم والجماعات. وهذا المؤشر لن يعوض القرار السياسي للمنتخبين، بل سيوفر المعطيات الضرورية لاتخاذ قرار أكثر وضوحا، ويسمح للمواطنين بفهم مبررات الاختيارات التنموية؛ لأن العدالة المجالية لا تعني تحصل كل جماعة على نفس عدد المشاريع، بل استجابة الاستثمارات لحجم الحاجيات والفوارق الفعلية والمساهمة في تقليصها”.