في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قال أحمد بوز، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن نتائج انتخابات 2026 كشفت عن فجوة كبيرة بين الطبقة السياسية والمجتمع، معتبراً أن أحد أبرز دروس هذا الاستحقاق يتمثل في ضرورة استيعاب الفاعلين السياسيين لحجم هذه الفجوة، وعدم الاكتفاء بقراءة النتائج من زاوية عدد المقاعد المحصل عليها، أو التعامل معها بمنطق الاحتفال.

وشدد بوز، خلال حلوله ضيفاً على برنامج “نبض العمق”، على أن نتائج الانتخابات تحمل رسائل سياسية تتجاوز منطق الربح والخسارة الانتخابية، وقال إن “أول درس هو أن على الطبقة السياسية أن تشعر بأنها، تقريباً، مرفوضة بأكملها، وأن هناك فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة، وبين المجتمع والطبقة السياسية”.

وأوضح أن النجاح الانتخابي لا يلغي استمرار هذه الفجوة، ولا يعفي الأحزاب من إعادة النظر في علاقتها بالمجتمع ومدى قدرتها على التقاط انتظارات المواطنين، محذراً من أن قراءة النتائج فقط من زاوية التقدم أو التراجع في عدد المقاعد قد تحجب دلالات أخرى مرتبطة بالسلوك السياسي والانتخابي للمجتمع.

وفي ارتباط بذلك، توقف بوز عند الوعود التي تقدمها الأحزاب خلال الحملات الانتخابية، محذراً من أن هذه الوعود قد تتحول إلى “سلاح ذي حدين” عندما لا تجد طريقها إلى التنفيذ بعد الوصول إلى مواقع المسؤولية.

وقال إن “توزيع الوعود الانتخابية، وإيهام الناس وغير ذلك، كلها سلاح ذو حدين”، مشيراً إلى أن حزب التجمع الوطني للأحرار سبق أن واجه تداعيات هذا النوع من الخطاب، ومؤكداً أن أي حزب يمكن أن يجد نفسه أمام الوضع ذاته إذا لم يتمكن من الوفاء بالتزاماته الانتخابية.

وبحسب بوز، فإن العلاقة بين المجتمع والسياسة ليست علاقة ثابتة، إذ “يمكن أن تغيب السياسة، ويمكن أن تمرض، ولكن في لحظة معينة يمكن أن تعود”، مشيراً إلى أن المواطنين قد يعيدون اكتشاف أحزابهم، كما يمكن أن تتحول الانتخابات إلى وسيلة للتعبير عن رفض الطبقة السياسية عندما تنشغل بما وصفه بـ”متاهاتها”.

ولم يفصل أستاذ العلوم السياسية هذا الوضع عن السياق الاجتماعي والاقتصادي، خصوصاً ما يرتبط بتآكل القدرة الشرائية، محذراً من اتساع الفجوة بين الصورة التي يتم تقديمها عن المغرب في الخارج وبين مظاهر الهشاشة التي يعيشها جزء من المجتمع في الداخل.

وقال إن “جزءاً من الطبقة السياسية لا ينظر إلى المغرب إلا بالمنظار الذي يحدد كيف يجب أن يُسوَّق في الخارج”، في حين يتم، بحسبه، إغفال معطيات داخلية تساهم في تشكيل “بنية من الهشاشة”، محذراً من أن استمرار هذه الوضعية يمكن أن تكون له انعكاسات سياسية واجتماعية واسعة.

وفي هذا السياق، أشار بوز إلى نسبة المشاركة في الانتخابات، والنقاش المرتبط بجيل “زد”، والاحتجاجات، إلى جانب عدد من القضايا الاجتماعية، باعتبارها مؤشرات تستدعي الانتباه، مؤكداً أن عودة الاحتجاجات الكبرى لا يمكن استبعادها بشكل مطلق.

وقال: “قد لا نكون قد عدنا مجدداً إلى لحظة 20 فبراير ولحظات الاحتجاج الكبرى، ولكن لا شيء مضمون”، داعياً الطبقة السياسية إلى عدم التعامل مع المرحلة المقبلة بمنطق الاطمئنان، سواء تعلق الأمر بالأحزاب التي حققت تقدماً أو تلك التي سجلت تراجعاً.

وفي مقابل الأوراش الكبرى التي ينتظرها المغرب، ومن بينها تفعيل الحكم الذاتي وتنظيم كأس العالم، يرى بوز أن البلاد تواجه أيضاً مشاكل بنيوية مرتبطة بمؤشرات اجتماعية واقتصادية، منتقداً ما وصفه بمحاولات “تجميل” بعض هذه المشاكل، سواء من خلال “الهروب إلى الأمام” أو عبر تقديم مؤشرات لا تعكس دائماً الصورة الكاملة للواقع.

وقال: “صورة الرباط والأوراش والمشاريع جيدة، ولكنها ستبقى دائماً ناقصة إذا لم تنعكس على القوت اليومي للمغاربة، وإذا لم يشعر بها المواطنون”، مشيراً إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بسكان الهوامش، وإنما يشمل أيضاً سكان المدن والطبقة الوسطى.

وتوقف بوز بشكل خاص عند وضعية الطبقة الوسطى، محذراً مما وصفه بـ”تفقير الطبقة الوسطى”، وقال إن هذه الفئة “تهبط إلى الأسفل”، خصوصاً في ظل صعوبة الولوج إلى العقار وارتفاع كلفة اقتنائه، وما يترتب عن ذلك من أعباء مالية تمتد لسنوات طويلة.

واعتبر أن وضع الطبقة الوسطى يرتبط بشكل مباشر بالحياة السياسية، قائلاً: “السياسة كانت تصنعها الطبقة الوسطى كما أن هذه الأخيرة تصنع الاستقرار”، قبل أن يميز بين الاستقرار الفعلي وبين ما وصفه بنوع من الركود السياسي، موضحا أن الاستقرار المستدام لا يقوم فقط على غياب الاضطرابات، وإنما يحتاج إلى مؤشرات اجتماعية واقتصادية تساعد على ترسيخه، معتبراً أن هذه المؤشرات “لا تساعدنا بشكل كبير”.

وحذر بوز، في السياق ذاته، من اتساع التفاوتات والفوارق الاجتماعية، معتبراً أن تركز الثروة لدى نسبة محدودة من المجتمع يمثل أحد المعطيات التي ينبغي استحضارها عند قراءة المستقبل السياسي والاجتماعي للمغرب، وقال إن هذه التفاوتات يمكن أن تتحول إلى “عناصر للانفجار”، محذراً من أن بعض ردود الفعل الاجتماعية قد تصبح، في ظروف معينة، صعبة التحكم.

وشدد بوز على أن الحكومة المقبلة ستنتقل من مرحلة الخطاب الانتخابي إلى ما وصفه بـ”لحظة الحقيقة”، موضحاً أن هذه اللحظة لا تبدأ خلال الحملة الانتخابية، وإنما بعد الوصول إلى مواقع المسؤولية ومواجهة الواقع اليومي للمواطنين.

وقال: “لحظة الحقيقة ليست لحظة الوعود والانتخابات. لحظة الحقيقة هي اللحظة التي تغادر فيها كرسي الخطاب وتصبح في واقع الممارسة”، مشيراً إلى أن الحكومة ستجد نفسها أمام مطالب اجتماعية واحتجاجات، في وقت ستعمل فيه المعارضة على استثمار أخطاء الأغلبية.