في الذكرى الأولى للحراك.. خديجة الرياضي تحذر من “نزيف حقوقي” وتطالب بالإفراج عن معتقلي “جيل زد”
قالت خديجة الرياضي، الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إن مطالب شباب “حراك جيل زد” هي صرخة لتذكير الدولة بمسؤولياتها التي تخلت عنها، وبواجبها الذي لم تقم به، سواء في توفير التعليم للجميع، أو فرص الشغل، أو خدمات صحية في المستوى.
وأضافت الرياضي، في ندوة نظمتها الجمعية نهاية الأسبوع بمناسبة تخليد الذكرى الأولى لحراك “جيل زد”، أن الدولة، وعوض الإنصات لهذه الصرخة وفتح حوار جاد ومسؤول مع هذه التعبيرات السلمية، واجهتها بقبضة قمعية صارمة، فتحولت الشوارع والأحياء إلى مسارح للتطويق والعنف والتوقيفات العشوائية التي طالت شباباً من داخل المقاهي ومن منازلهم.
وأشارت الرياضي إلى أن هناك من يعتبر هذه الحملة القمعية لا توازي إلا ما حصل بعد تفجيرات 2003 في الدار البيضاء من ناحية العنف وعدد التوقيفات، لافتة إلى أن الاعتقالات التي تلت احتجاجات “جيل زد” شملت آلاف الشباب، حيث تم الزج بالمئات منهم في السجون، وشابتها العديد من الاختلالات المسطرية؛ إذ صنعت المحاضر في غياب حالات التلبس، واعتمدت تدوينات وآراء نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، بل حتى رسائل بثها أطفال بينهم في مجموعات على “واتساب”، كأسباب للاعتقال.
وأوضحت الرياضي أنه تم تسجيل تعاملين متناقضين للسلطات مع هذه الاعتقالات؛ فمن جهة، كانت هناك سرعة فائقة للبت في الملفات رغم أنها جنائية وتضم تهما خطيرة تتطلب تحقيقا عميقا وبناء للملف بشكل قانوني والاستماع لكل الأطراف وتجميع الأدلة، لكن المحاكمات تمت بسرعة خيالية ونتجت عنها أحكام ثقيلة وظالمة وصلت إلى 12 و15 سنة من السجن النافذ، مما يشكل ترهيبا واضحا يهدف إلى كسر شوكة الحراك وإخماد النفس الاحتجاجي لدى الشباب.
وأكدت أنه في بعض المدن مثل الرباط، هناك من الشباب من قضى سنة كاملة من الاعتقال الاحتياطي، والعديد من الشباب لم تنظر المحاكم في ملفاتهم، وفي كل مرة يتم النطق بقرار التأجيل، مما يشكل انتهاكا لقرينة البراءة؛ لأن هؤلاء الشباب محرومون من حريتهم ومن عدد من حقوقهم.
وشددت الرياضي على أنه لا ينبغي نسيان مقتل ثلاثة شباب في مدينة قليعة برصاص الدرك الملكي، حيث لا يزال الإفلات من العقاب هو سيد الموقف في هذه القضية، ودهس شابين بسيارة للشرطة في وجدة، مؤكدة أن فرع الجمعية لا يزال يتابع هذه القضية.
ولفتت إلى أنه في الاعتقالات السياسية تكون الأسر ضحايا أيضا؛ إذ لم تقتصر المعاناة على الأطفال والشبان، بل امتدت إلى أسرهم التي تعيش صدمة شديدة واستنزافا نفسيا وماديا وإنسانيا لا يطاق، وخاصة في الرباط بعد التأجيلات المتكررة للمحاكمات؛ حيث تعيش معاناة أسبوعية بين السجون والمحاكم، وتتحمل مصاريف التنقلات ومتاعب المحاكمة، وتعود بقلوب مفجوعة وأمل مكسور وهي تنتظر -على الأقل- السراح المؤقت لأبنائها.
وانتقدت الرياضي قسوة السير البطيء للعدالة وخرق ضمانات المحاكمة العادلة، مؤكدة أن التوقيفات في حد ذاتها هي مصادرة للحق في التجمع وحرية التعبير والتظاهر السلمي التي يكفلها الدستور وكل المواثيق الدولية، وتجريم للاحتجاج الميداني السلمي، وتعاط مع الوقفات السلمية كتجمهرات غير مرخص لها وعصيان، وتدخل ضدها بقوة مفرطة.
واستنكرت الرياضي تجريم التعبير الرقمي واللجوء إلى الملاحقات الرقمية؛ لأن المتابعات لم تكن في الشارع فقط، بل امتدت إلى التفتيش الرقمي في الحسابات الخاصة بالشباب، حيث تحولت التدوينات ومقاطع الفيديو ومشاركة “الهاشتاغات” وأغاني الراب إلى أدلة إدانة وتهم بتحريض الشباب على التجمهر، وإهانة هيئات منظمة قانونا، وغيرها من التهم المعروفة التي نجدها في جميع محاضر الاعتقالات السياسية.
وأدانت الفاعلة الحقوقية خنق الحريات، وإفراغ الفضاء العام، وضرب ضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع، والاعتماد المطلق على محاضر الضابطة القضائية كأداة قطعية في الإدانة دون التثبت من صحتها، إضافة إلى شبهات انتزاع الاعترافات بالقوة وتحت الضغط، والإسراع بالمحاكمات أو تأجيلها بشكل متكرر، والتعسف في استعمال الاعتقال الاحتياطي، والانتهاك السافر لاتفاقية حقوق الطفل من خلال اعتقال ومتابعة أطفال قاصرين وحرمانهم من الدراسة.
وخلصت الرياضي إلى أن استمرار هذه الوضعية يشكل نزيفا حقوقيا وواقعا مؤلما يستحق كل الاهتمام؛ لأن اعتقالات “جيل زد” والانتهاكات التي تعرض لها الشباب لم تحز -حتى الآن- الاهتمام الكافي والتعبئة الضرورية لمواجهة هذا الواقع، مما يستوجب الاشتغال على مستويات عديدة، والاستمرار في النضال من أجل الإفراج الفوري والشامل عن كل المعتقلين وتصفية هذا الملف بشكل كامل.