آخر الأخبار

خوارزميات الذكاء الاصطناعي تقتحم الواجبات المنزلية وتهدد اجتهاد التلميذ

شارك

بضغطة زر، بات بإمكان التلميذ الحصول على إجابة جاهزة لواجب منزلي كان يتطلب منه البحث والتفكير والكتابة، بعدما دخلت أدوات الذكاء الاصطناعي بقوة إلى تفاصيل العمل المدرسي اليومي وأصبحت حاضرة في إنجاز عدد من المهام التي كانت تتطلب جهدا فرديا من التلميذ.
ويضع هذا التحول الواجبات المنزلية أمام واقع جديد، يرتبط بمدى قدرة التلميذ على توظيف الذكاء الاصطناعي دون أن يتحول إلى بديل عن الفهم والتفكير والتحليل، وبالدور الذي يمكن أن تضطلع به المدرسة والأسرة في تأطير هذا الاستخدام داخل العملية التعليمية.

تبعية خوارزمية

قال هشام أودادس، مفتش في التوجيه التربوي، إن “الغزو التكنولوجي لبلادنا باعتبارها مستهلكة وغير منتجة للتكنولوجيات له تأثيرات عميقة في البنى الفكرية للمجتمع”، معتبرا أن “هذه الانعكاسات تكون في الغالب غير محمودة؛ لأن هذه الطفرة لم تكن وليدة حاجة مجتمعية، وليست من إنتاج مغربي أصيل.. وبالتالي، فإن الأمر يتفاقم عندما تغزو التكنولوجيات المتقدمة عالم الصغار والتلاميذ داخل مدارسهم”.

وأضاف أودادس، في تصريح لهسبريس، أن “الطفرة الهائلة التي أحدثتها خوارزميات الذكاء الاصطناعي باتت تضرب في الصميم المرامي والغايات للمدرسة المغربية، الهادفة إلى تكوين مواطن صالح يمتلك كفايات مستعرضة ومهارات حياتية وقيم مواطنة بأبعادها الوطنية والكونية، إلى جانب الحس النقدي والذوق الجمالي والطاقات الإبداعية”.

وأكد المفتش في التوجيه التربوي أن “ما تشهده المدارس المغربية اليوم يدق نواقيس الخطر، في ظل اعتماد نسبة مهمة من التلاميذ والتلميذات في البوادي والمدن على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإنجاز الواجبات المنزلية”.

وأوضح المتحدث ذاته أن “الأمر أصبح في بعض الحالات لا يتطلب من التلميذ سوى تصوير الواجب، ليتكفل الذكاء الاصطناعي بالباقي؛ ما يجعل هذه الواجبات فاقدة للمعنى، ويخلّ بدورها في بناء المعارف وتشكيل المهارات وترسيخ القيم ورسم معالم الكفايات”.

واعتبر أن “هذا الوضع يجعل المتعلمين والمتعلمات اتكاليين وغير قادرين على التفكير المنطقي والعقلاني؛ بل ويفقدهم القدرة على التعامل مع وضعيات بسيطة، سواء تعلق الأمر بالتعلمات الصفية أو بالمهارات الحياتية المرتبطة بالواقع المعاش”.

وأشار أودادس إلى أن “استمرار الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب الحياة قد يجعل التلميذ رهينا بالخوارزميات، حيث لا يستطيع التفكير دونها ولا اتخاذ القرارات من دون مساعدتها”.

وأضاف أن “هذا الوضع يستدعي تدخلا عاجلا على الصعيد المجتمعي والمدرسي والأسري لحماية التلاميذ والتلميذات من الاستهلاك المفرط لخدمات تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتجنب استخداماتها المضرة في المجال المدرسي، خصوصا فيما يرتبط بإنجاز الواجبات المنزلية”.

ودعا مفتش التوجيه التربوي إلى “تعبئة مجتمعية وطنية تنخرط فيها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، إلى جانب باقي القطاعات الحكومية المعنية بالطفولة والتكنولوجيات الرقمية وفعاليات المجتمع المدني، من أجل تحسيس الآباء والأمهات أولا بمخاطر الذكاء الاصطناعي على سيرورة النضج الفكري والعقلي والوجداني والمهاري لأبنائهم وبناتهم”.

وشدد على ضرورة “التدخل داخل المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية، الابتدائية والإعدادية والتأهيلية، لتوعية التلاميذ بالمخاطر الرقمية على سلامة نضجهم وبنيتهم الفكرية والنفسية ومستقبلهم الإنساني، باعتبار الإنسان أسمى من التكنولوجيات وليس صنيعة لخوارزمياتها”.

وأكد هشام أودادس أن “المستوى الأسري يظل الأهم على الإطلاق”، داعيا الآباء والأمهات إلى “مراقبة أبنائهم خلال إنجاز الواجبات المنزلية، ومنع استخدام الهاتف أو الحاسوب إلا في الحالات التي تتطلب ذلك وبحضور أحد الوالدين”. كما اقترح، في حالة استخدام الهاتف أو الحاسوب، “تكليف الطفل بإعادة كتابة المحتوى يدويا كلما كان ذلك ممكنا، ودعوة الأبناء إلى تقديم ملخص شفوي بسيط للمنتوج المتحصل عليه من الإنترنيت، سواء عبر محركات البحث أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي”.

تعلّم اصطناعي

سامي دقاقي، أستاذ علم النفس في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الدار البيضاء، قال إن “لجوء التلاميذ إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز واجباتهم المنزلية يعد، اليوم، تحولا بيداغوجيا وسيكولوجيا يستدعي الوقوف عنده، إذ يطرح تساؤلات حول مدى استفادتهم الفعلية من هذه الواجبات، وأيضا الأثر السيكولوجي والعصبي الذي يمكن أن يخلفه هذا الأمر على مستوى أدمغتهم”.

وأضاف دقاقي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الاعتماد على إجابات جاهزة قد يضعف تنمية الفهم والتفكير والتحليل لدى التلاميذ، ويحول التعلم من عملية تكوينية بنائية (بلغة بياجي)، تتم عبر بناء معرفي تراكمي مترابط ومتزامن، إلى نمط استهلاكي بشكل آلي للمعلومات”.

وحسب تصور العلوم العصبية وعلوم الدماغ، أكد المتحدث ذاته أن “التعلم الحقيقي والنشط يرتبط بتفعيل مسارات عصبية عبر الجهد الذاتي والتكرار والتجريب والمحاولة والخطأ، وهي عمليات تتم عبر اقترانات عصبية كثيفة، وتخلق شبكات ومخططات ذهنية كبيرة؛ بينما الارتكان إلى الحلول الجاهزة عبر ما يوفره الذكاء الاصطناعي يدخل الدماغ في حالة خمول معرفي، ويحد من تنشيط الذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية كالتخطيط والمراقبة الذاتية الكابحة أساسا. كما قد يؤدي إلى تراجع الحافزية والكفاءة الذاتية جراء ضعف الثقة في القدرات والمؤهلات التي يتملكها التلميذ”.

وشدد الأستاذ المختص في علم النفس على أن “أدوار المدرسة والأسرة تبدو على قدر كبير من الأهمية في تأطير استخدام التلاميذ لأدوات الذكاء الاصطناعي، عبر تحويل الواجبات إلى أنشطة ذهنية (قرائية وكتابة ولعبية) تحفز التفكير النقدي والتبرير والمناقشة عوض الإنجاز الآلي الذي يعتمد على النسخ واللصق فقط، وأيضا وضع قواعد واضحة للاستعمال المشروع لتلك الأدوات بوصفها تساعد عمل الذهن وتدعمه، وليست بديلا له، مع مرافقة التلاميذ سيكولوجيا وتربويا لتنمية الاستقلالية والمسؤولية”.

وختم سامي دقاقي تصريحه بالإشارة إلى أنه “ينبغي على المسؤولين، من جهتهم، تقنين استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات التعلم عبر إدماج التربية الرقمية وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في المناهج، وتكوين الأساتذة، وإشراك الأسرة في متابعة الاستخدام وضبط حدوده؛ بما يضمن الاستفادة الفعلية من التكنولوجيا دون الإضرار بالنمو المعرفي والعصبي للتللاميذ”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا